مازن معموري

شاعر وكاتب من العراق

من أنوثة الحداثة إلى وحشيّة الذكورة

نزعة السعي الحثيث لإظهار الفحولة في الغرب بدأت منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وظهور جورج بوش بشخصيّة القائد العسكري ببدلة طيّار مُقاتِل. وقد نهضت معه كل مظاهر العنف ضد النساء، وخاصة ذوات التوجّه النَسَوي التحرّري بقسوةٍ واضحةٍ كما هي الحال بالنسبة للفتيات المُسلمات اللائي وقعن في محنة تلك الحرب الاجتماعية والمُتغيّرات الثقافية.

نزعة السعي الحثيث لإظهار الفحولة في الغرب بدأت منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر

في مساء 30 كانون الثاني/يناير من العام 1948، وبعد خمسة أشهر من استقلال الهند وتقسيمها، كان غاندي يسير للصلاة في منزله المؤقت في نيودلهي عندما أطلق شخصٌ ما ثلاث طلقات نارية فأرداه قتيلاً. وكان يُخشى أن يكون القاتِل مُسلماً حتى تبيّن أنه (ناثورام جودس) براهما هندوسي من غرب الهند. في المحكمة إعترف جودس أن غاندي أنّثَ السياسة في الهند وأصبحت ضعيفة، ونحن بحاجة إلى قوّةٍ وعنفٍ لنواجه العالم وليس العكس. وتحوّل في ما بعد إلى أحد رموز الشوفينيين الهندوس تأثّراً بالفاشية والنازية وأصبح رمزاً للقوّة والوطنية الشامِخة.

كيف يكون لقاتِلٍ ما أن يكون رمزاً للفحولة في عالمنا المُعاصِر؟ هذا السؤال يضعنا أمام ظاهرة صعود شخصيات سياسية ذات طابع ذكوري في الآونة الأخيرة، كردِ فعلٍ طبيعي لتأنيث الغرب. ويبدو أن المكانة الاجتماعية لقاتِل غاندي التي حازها، تُشكّل علامةً خطيرةً لوجود أزمةٍ عالمية حول الفحولة، بما يُقدّم لنا تفسيراً أوليّاً لمعنى عودة مظاهر الفحولة والعنف المُتفشّي في الغرب حتى على مستوى السياسة العالمية وإدارة الصراعات.

نستطيع القول إن نزعة السعي الحثيث لإظهار الفحولة في الغرب قد بدأت منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وظهور جورج بوش بشخصيّة القائد العسكري ببدلة طيّار مُقاتِل. وقد نهضت معه كل مظاهر العنف ضد النساء، وخاصة ذوات التوجّه النَسَوي التحرّري بقسوةٍ واضحةٍ كما هي الحال بالنسبة للفتيات المُسلمات اللائي وقعن في محنة تلك الحرب الاجتماعية والمُتغيّرات الثقافية، إلى درجة أن المُفكّر هارفي مانسفيلد (Harvey Mansfield) شجب مسيرة النساء العاملات على تقويض دور ما نُسمّيه بالعربية (الرجال قوّامون على النساء) عام 2006، كما صرّح المؤرّخ نيال فيرغسون (Niall Ferguson) وهو من دُعاة الامبريالية الجديدة (إن الفتيات الصغيرات لم يعدن يلعبن بالدُمى)، حيث أجبرت النسويات أوروبا على التراجع الديمغرافي، وإن النساء القلائل اللواتي ينتقدن عدوانيّة الرجال، مثل "كاتا بوليت Katha Pollitt"  و"سوزان سونتاج Susan Sontag" و"أرونداتي روي Arundhati Roy"، تم وضعهن في مرمى العنف والإشهار العلني ووصفهن بأقذع الكلمات.

هذه النزعة كان وراءها عاملان مهمان هما: الخسارة العسكرية الأميركية في فيتنام واستفزازات زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن في 11 سبتمبر، وهو ما ساهم في تحوّلٍ خطيرٍ لمفاهيم الشجاعة والحرية إلى ضعفٍ ولين، وكان الردّ على ذلك هو انتشار تأثير أفلام سلفستر ستالون وأرنولد شوارزنيجر.

كما أن مظاهر الأنوثة وتحوّلات المثليين في العالم الغربي وانتشار الفوضى الجنسية وتهجين الأعراق والديانات، وهيمنة التيّار النَسَوي الجديد الذي أشاع مظاهر التخنّث والانحطاط، كل ذلك كان وراء ظهور الحاجة الماسّة للضبط الفحولي ووضع الحدود اإاجتماعية والثقافية بصرامة للتعريف بالنوع والعرق والجنس والقوميات.

لم يكن الشرق بعيداً عن هذه التحوّلات التي قدّمت لنا تيّار الإسلام الأصولي المُتشدّد، لسببٍ جوهري هو أن الحداثة العربية أنّثت المُثقّف العربي وقدّمته للمجتمع على أنه شخص رومانسي يعيش خارج التاريخ ولا علاقة له بما يجري في الواقع.

فقد قدّمت لنا فترة الأربعينيات الشعر الحرّ على يد كل من بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة بصفتهما شاعرين رومانسيين، ومنهما إلى كل الجيل الرومانسي الذي تعلّق بالخيال واللغة الشعرية الحالِمة على مستوى الكتابة الأدبية والأفلام السينمائية في ما بعد (مرحلة عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وغيرهما)، حيث قدّم لنا الجيل الستّيني التجريب الشكلاني المحض، مُتعالياً على أبناء جِلدته في كل مفاصل الأدب شعراً ونثراً، من دون الانتباه إلى ضياع قاعدة القرّاء والقبول بخسارة أحد أهم محاور الإنتاج الأدبي والفني، ألا وهو المُتلقّي العام. فقد اكتفى المُبدِع العربي بحضانة المؤسّسة السياسية له سواء كانت تلك المؤسّسة قومية أو يسارية أو دينية. وهذا ما جعل معادلة العمل الأدبي ناقِصة (الكاتب - الرسالة - المُتلقّي)، وكذلك الفن التشكيلي على وجه الخصوص، تحت طائل أن على المُتلقّي أن يرتفع ثقافياً ليفهم النصّ أو العمل الفني أيّاً كان.

لقد أصبح المُبدع يحمل صورة الأنوثة، بدءاً بشكله الشخصي وزيّه وتسريحة شعره ونمط سلوكه العام، وهذا ما جعل المحيط الاجتماعي يفقد ثقته تماماً بأفكاره وتحليلاته ورسالته. إن استعادة تاريخ الذكورة العربية بكل تفاصيلها وتقليد سلوكيات الأجداد، إنما هي ارتداد طبيعي لفشل المُثقّف العربي في تقديم البديل النوعي المُحترَم والصحيح لإقناع المحيط الاجتماعي بصدق مشروعه الحداثي، وهو ما جعل صورة القادة العساكر في عالمنا الشرقي مثار إعجاب استثنائي بفكرة الفحولة، مثلما أن ظهور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين راكباً حصانه من دون قميص كاشفاً عن عضلات صدره، مثار إعجاب لجيلٍ يرفض مُكتسبات الحداثة الغربية وأنوثتها الباردة.