أفرورا عيسى

صحافية من سوريا

هاني السلوم ... ورد أزهر حيث كان الرصاص

رغم أن زهرة عمره جُبلت بالدم والنار وأصيب جسده بالإعاقة، إلا أن هاني لم يزل يملك الكثير من الأمل والحب. الشاب السوري هاني السلوم إبن محردة بريف حماه الشمالي، نموذج لحلم وأمل لم ينتهيا. ففي مكان كل رصاصة وقذيفة سوف يزهر الورد.

هاني السلوم ... ورد أزهر حيث كان الرصاص

في محيّاه براءة طفولية لم تكسرها الخسارة. الإبتسامة لا تغادر وجهه. هو واحد من الشباب السوري الذين ذاقوا طعم الحرب علماً أنهم لم يسعوا إليها يوماً، ولم تكن تخطر في بالهم. كانت طموحاته على قدر ما يتطلبه عمر المراهقين. أن يشبك يده بيد فتاة جميلة. أن ينطق لها بكلمة "أحبّكِ" ثم يسمع منها ما يعشق ويتلهف إليه من الكلام.

لكن كما بددت الحرب الحياة العادية، فإنها بعثرت أحلام هاني السلوم. جعلتها تتلاشى. كان إبن محردة بريف حماه الشمالي بين السادسة عشرة والسابعة عشرة من عمره عندما وجد نفسه كما أبناء بلدته، على خط التماس الأول مع المجموعات المسلحة.

"كانت القذائف الصاروخية تسقط علينا يومياً فتدمر منازلنا وتحصد أرواحنا. السكان هجروا. أطفالنا غدوا يتامى ونساؤنا ثكالى وأمهاتنا مكلومات"، يقول هاني (22 سنة) الذي التقاه الميادين نت في محردة ويتذكر "على مدار الحرب تعرضت بلدتنا للحصار الكامل مرتين".

هاني السلوم الشاب المحب والطموح غافلته الحرب في زهوة شبابه. رائحة الدم والبارود أجبرته أن يتخلى عن مراهقته ليقاتل، بعد أن طرقت الحرب باب بيته ليجد نفسه في خضم المعارك.

حينذاك "صارعت جزعي من صوت الرصاص واستطعت مع الوقت أن أتغلّب عليه"، لأنه "لم يكن أمامي غير أن أغادر المراهقة طوعاً وأصنع من نفسي رجلاً قوياً قادراً على حماية أسرته من الموت"، يقول هاني.

بعد سنتين من بدء الأزمة السورية ملأت رائحة الدماء الشوارع. لم يكن هذا أمل هاني ولا أياً من سكان محردة. لذلك قرر حمل السلاح لـــ "أدافع عن مدينتي وضيعتي. لم نملك غير هذا الخيار لأن المسلحين وصلوا أبواب بيوتنا".

تطوّع هاني ورفاقه فانتشلوا أسلحتهم ثم "توجهنا إلى المعارك. كان صوت الرصاص يرعبنا بشدة. كنا خائفين، لكننا مع الوقت كسرنا هذا الحاجز. تغلبنا عليه. شاهدت الدم قريباً جداً. دماء رفاقي الذين استشهدوا، وكانوا قبلها بوقت قصير يضجون بالحياة".

كما الكثير من السوريين دفع هاني الثمن، لكنه كان باهظاً عليه. إذ لم يقف عند سفك سنوات شبابه في القتال ورائحة البارود والدم، لتضع الحرب بصمتها الأزلية على جسده، حيث فقد هاني يده وإحدى عينيه.

لم تكن تلك إصابة هاني الأولى، فقد تعرض لأخرى سابقة بقذيفة هاون لكنها لم تمنعه من العودة إلى المعارك واستمر إصراره على التواجد مع رفاق السلاح على خطوط التماس في مواجه الموت.

يتحدث هاني مستعيداً تلك المرحلة. "إرتحت أربعة أشهر ثم خضعت لدورة تدريبية على كافة أنواع السلاح واستمريت بالحرس الليلي مع زملائي في أكثر من منطقة حتى العام 2015، حيث أصبت في معارك كفرنبودة التي كانت من أشرس المعارك التي شاركت فيها وفقدت خلالها عيني ويدي وشاب مقرب مني كان معي بنفس السيارة".

ثم بعدها بمدة قصيرة تعرضت محردة لحصار فرض المسلحون، "فخرجت رغم حجم الإصابة مع زملائي بعين ويد واحدة وقاتلت".

عندما وصلها خبر إصابته تلقت رفقة إصطفان، والدة هاني، ذلك بصدمة كبيرة. هي أمّ ككلّ الأمهات. في حديثها للميادين نت تصف ما جرى كأنه مشاهد سيئة عابرة. "ربيت هاني ككلّ أمّ ولم أشعر إلا وهو شاب يحمل السلاح ويشارك بكل المعارك ليدافع عنا لنعيش بأمان. جاءني خبر إصابته صادماً"، تقول ثم تضيف "لكن بالمقابل كل منزل في سوريا لديه جريح والألم كبير. صحيح أن هاني عاد بيد وعين واحدة لكنه لم يزل قادراً على الإنطلاق بحياته من جديد".

أم هاني محقّة. إعاقة ولدها لم تمنعه من الحلم. حتى يبدو أن سنين العمر المجبول بالدم والنار كانت وقتاً مستقطعاً بين حلم وآخر.

يبتسم هاني عندما يتأمل إعاقته ثم يتحدث بثقة "عثرت على عمل جديد. لن أقطع الأمل وكل شيء سوف يكون أفضل من قبل. سوف أعشق وأحب وأتزوج. رائحة البارود ستتبخر من هواء بلدي، لكن الحلم والأمل لن ينتهيا. وفي مكان كل رصاصة وقذيفة سوف يزهر الورد".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]