عماد الدين رائف

صحافي وكاتب من لبنان

القنّاصة لودميلا.. "سيّدة الموت" التي أردت 309 نازيين

الفتاة السوفياتية الأولى التي أقامت في البيت الأبيض. لقّبتها الصحافة الأميركية بـ"سيّدة الموت"، وغنّى عنها وودي غوذري. وقفت أمام حشود الصحافيين في شيكاغو وقالت بإنكليزيّة صافية: "أيها السادة، أنا في الخامسة والعشرين من عُمري وقد استطعت أن أقضي على 309 نازيين غُزاة. ألا يبدو لكم، أيها السادة، أنكم ولمدة طويلة تختبئون خلف ظهري؟". هي القنّاصة لودميلا بافليتشنكو، الفتاة الوحيدة التي حملت وسام النجمة الذهبية ولقب "بطل الاتحاد السوفياتي" أثناء حياتها، وكان اسمها يُرعب الغُزاة.

في سنوات ما يسمى بــ "الحرب الوطنية العُظمى" (1941-1945)، وعلى طول البلاد السوفياتية وعلى جميع الجبهات ردّد المواطنون والجنود إسم بطلة سوفياتية، هي الفتاة القنّاصة الأفضل في الاتحاد السوفياتي لودميلا ميخائلوفنا بافلوتشينكو. إسمها اخترق الحدود السوفياتية إلى الحلفاء وكذلك إلى النازيين، الذين كانوا يترصّدونها محاولين قتلها.

ولِدَت لودميلا في العام 1916، في بلدة بيلايا تسيركوف الأوكرانية، والدها كان عسكرياً وأمّها مُدرّسة للغة الإنكليزية. حين كانت في الرابعة عشرة من عُمرها، انتقلت عائلتها إلى العاصمة كييف، حيث تابعت دراستها الثانوية. بعد إنهائها مرحلة الدبلوم في العلوم التاريخية في جامعة كييف الحكومية، توجّهت إلى الدراسة العملية في متحف أوديسا حيث سجّلت أطروحتها حول إنجازات القائد القوازاقي بوهدان خملنيتسكي (1595-1657). آنذاك اندلعت شرارة "الحرب الوطنية العظمى"، واجتاحت الجيوش النازية الحدود الغربية للاتحاد السوفياتي. إلا أنّ لودميلا كانت قد لفتت الأنظار إلى قدراتها في القنص أثناء بداية دراستها الجامعية في كييف، حيث فازت على زملائها الفتيان في الفصل الدراسي في أحد حقول الرماية، وأتت بنتيجة ممتازة.

وكان العاملون في حقول الرماية المنتشرة إلى جانب مدن الملاهي والألعاب من القنّاصين المُتمرّسين الذين عُهدت إليهم مهمة الإخبار عن المواهب في هذا المجال. فأثناء دراستها كانت لودميلا قد سُحِبت من مقاعد الجامعة لمدة ستة أشهر، وأُلحِقت بدورة تدريبية مُكثّفة للقنّاصة المُحترفين في معهد عسكري. ومع اندلاع الحرب في 22 حزيران/ يونيو 1941، إلتحقت بالجبهة.


معركة سيفاستوبل

"لم يقبلوا بالفتيات المُتطوّعات في البداية، وقد اضطررت للتحايل بشتّى الطُرُق كي أغدو جندية"، كما قالت لودميلا. على الجبهة، لفتت الأنظار إلى قدراتها مرة أخرى، حيث كانت هادئة الأعصاب، وأسقطت الجنود الغُزاة واحداً تلو الآخر، فحصلت على تنويهٍ من القيادةِ الميدانية للجبهة، وأُلحِقت رسميّاً بفرقة القنّاصة. واجهت الملازم لودميلا بافليتشينكو الزحف النازي في إحدى الفرق الأسطورية في الجيش الأحمر، هي فرقة الطوارئ الخامسة والعشرين، فقاتلت على جبهات ملدوفيا وفي الدفاع عن مدينة أوديسا.

أمضت 255 يوماً وليلة على الجبهات من دون انقطاع، وكان الغُزاة يتقدّمون شيئاً فشيئاً ويتوغّلون في الأراضي السوفياتية، حتى وصلوا إلى مشارف مدينة سيفاستوبل على البحر الأسود. وكانت الفتاة القنّاصة تخرج من قطعتها العسكرية كل ليلة قبيل الفجر نحو الجبهة، بغضّ النظر عن حال الطقس، وكانت تنتظر اللحظة المؤاتية ليغدو العدو في مرمى نيرانها.

وكانت مرات عديدة في وسط المعارك الدائرة وجهاً لوجه مع العدو النازي، لإسقاط القنّاصة النازيين، محافظةً بذلك على حياة مئات الجنود السوفيات على الجبهات.

وفي المُحصّلة، وحتى تموز/ يوليو من العام 1942، وبعد عام واحد على اشتعال المعارك ومشاركة لودميلا فيها، كانت قد حصدت أرواح 309 نازيين من الضباط والجنود، بينهم 36 قنّاصاً. وهذا أفضل إنجاز على الإطلاق، لفتاة قنّاصة خاضت الحرب في الاتحاد السوفياتي.

وكانت لودميلا كلما رأت وحشيّة النازيين في قتل المدنيين من النساء والأطفال، تشحذ عزمها من جديد.

"منذ تلك اللحظة التي اخترق فيها الفاشيست حدود بلادي، تغزوني في كل لحظة أحياها فكرة واحدة، وهي دحر العدو، فبقتل النازيين أنا أنقذ الحياة"، كما تحدّثت لودميلا الفتاة القنّاصة عن خدمتها العسكرية غير الاعتيادية.


على الشاشة الكبيرة

لودميلا على جبهات أوديسا ربيع العام 1942

في العام 2015، ولمناسبة الذكرى السبعين على الانتصار في "الحرب الوطنية العظمى"، عُرِضَ فيلم روائي روسي - أوكراني طويل هو عبارة عن دراما حربية من إخراج سيرغي موكريتسكي.

يروي الفيلم سيرة القنّاصة لودميلا، وتدور أحداثه في مدن سوفياتية وأميركية مختلفة. استغرق العمل على الفيلم أكثر من سنتين، وبُثّ عبر شاشة التلفاز الرسمية في روسيا الاتحادية وأوكرنيا في "يوم النصر"، الموافق للتاسع من أيار/ مايو.

بُني سيناريو الفيلم على فكرة إيغور أوليسوف، المستمدة من كتيّب "الدفاع عن سيفاستوبل: البطولة الحقيقية" الصادر سنة 1958 بقلم بافليتشينكو نفسَها.

وقد شارك مخرج الفيلم سيرغي موركيتسكي في كتابة السيناريو إلى جانب ماكسيم بودارين وليونيد كورني . وقد مثّلت دور بافليتشينكو فيه الممثلة الروسية الشابة يوليا بيريسيلد.

يحتل الفيلم مساحة زمنية تصل إلى 120 دقيقة، وقد كلّف إنتاجه أكثر من 5 ملايين دولار. ورُشّح لجوائز كثيرة في السينما الروسية والعالمية، وشغل النقاد السينمائيين في روسيا الاتحادية وأوكرانيا لنحو ستة أشهر، لاسيما بعد عرضه في الصالات الأوكرانية تحت عنوان آخر وهو "غير قابلة للكسر".

نال فيلم "معركة سيفاستوبل" جائزة النسر الذهبي، في الدورة الرابعة عشرة التي تنظمها الأكاديمية الروسية للسينما والفنون عن العام 2015. وقد رافقت الفيلم موسيقى تصويرية عزفتها "الأوركسترا السيمفونية الوطنية الأوكرانية"، إلى جانب عدد من الأغنيات، منها أغنية "اغمريني"، من كلمات وألحان الموسيقار الأوكراني الشهير سفيتوسلاف فاكارتشوك، كذلك أغنية أسطورة الروك الروسي فيكتور تسوي "كوكوشكا" (طائر الوقوق) التي أدّتها المغنية الروسيّة الشابة بولينا غاغارينا.


جولة في أميركا

"الرفيقة بافليتشينكو درست بعُمق طبيعة تحرّكات العدو وتكتيكاته"، كما كتبت الصحف عنها، "خرّيجة معهد التاريخ، ذات عبقرية عسكرية، تقاتل بقوّة قلبها الشاب". وكان الأسرى الذي وقعوا بأيدي السوفيات بالقرب من مدينة سيفاستوبل، يتحدّثون برُعب عن تلك الفتاة، التي صوّرتها لهم مخيّلاتهم أنّها فوق الطبيعة البشرية.

وبعد سقوطها جريحة غير مرة في معركة سيفاستوبل، في حزيران/ يونيو 1942، سحبتها القيادة العسكرية من الجبهة، وأُرسِلت في عداد الوفد السوفياتي الرسمي إلى كندا والولايات المتحدة الأميركية، لإقناع الحلفاء بتسريع عملية فتح جبهة ثانية، والقتال في وجه ألمانيا الهتلرية في أوروبا.

خلال هذه الجولة، التقت لودميلا بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، وتعرّفت إلى زوجته إليانورا، التي دعت لودميلا للإقامة في البيت الأبيض، وللقيام بجولة مشتركة في أرجاء البلاد. ومنذ لحظة وصولها إلى أميركا لقّبتها الصحافة بـ"سيّدة الموت".

الصحافيون الأميركيون كانوا يحاصرون لودميلا، وكانوا يتوعّدونها بلقائها في المؤتمر الصحافي في شيكاغو، حيث سيمطرونها بأسئلة لن تستطيع الإجابة عليها. وقبيل ارتقائها المنبر أعطاها مفوّض الوفد السوفياتي ورقة فيها ما يجب أن تقوله، وفيها حديث عن "بطولات" الاتحاد السوفياتي وجوزف ستالين بالإضافة إلى طلب السوفيات من الحلفاء فتح الجبهة الثانية، إلا أن لودميلا التي كانت تنظر إلى الصحافيين المُحتشدين بهدوء، قبضت على تلك الورقة. وارتجلت عبارتها الشهيرة التي ما زال العالم يستذكرها بها كلما تحدّث عنها.

قالت لودميلا بلغة إنكليزيّة صافية: "أيها السادة، أنا في الخامسة والعشرين من عُمري وقد استطعت أن أقضي على 309 نازيين غُزاة. ألا يبدو لكم، أيها السادة، أنكم ولمدة طويلة تختبئون خلف ظهري؟"

أنهت لودميلا جملتها وحدّقت في الوجوه. جمدت القاعة لأكثر من دقيقة، قبل أن ينطلق التصفيق، حيث لم يعد لدى أحد ما يسأل عنه. تركت البطلة السوفياتية انطباعات حادّة لدى الرأي العام الأميركي، ما دفع مغني البوب الأميركي وودي غوذري إلى تأليف أغنية بعنوان "الآنسة بافليتشينكو". وكان غوذري قد التقى لودميلا في شيكاغو، وغنى هذه الأغنية أمامها وأبدت إعجابها بها. 


بطلة الحرب العظمى

بعد عودتها إلى الاتحاد السوفياتي، كانت لودميلا قد حازت على رتبة رائد، وعملت مدرّبة للقنّاصة المُحترفين، حيث خرّجت على يديها عشرات القنّاصة السوفيات في السنوات اللاحقة.

في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 1943، ولقاء بطولتها في ساحات القتال، مُنحِت لودميلا لقب "بطل الاتحاد السوفياتي"، وهي المُقاتلة الوحيدة التي حازت على هذا اللقب في حياتها.

وبعد انتهاء الحرب في العام 1945، أنهت لودميلا دراستها في جامعة كييف الحكومية، وعملت حتى العام 1953 باحثة علمية في قيادة الأسطول الحربي السوفياتي، ثم انتقلت للعمل في مجلس قدامى المُحاربين السوفيات.

توفيت لودميلا في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1974 في موسكو، ودُفنت في مقبرة نوفاديفيتشي.