عبد الله بن عمارة

كاتب من الجزائر

سوسيولوجيا القهوة ... أو احتساء القهوة كطقس اجتماعي

تناول فنجان القهوة في جلسة جماعية، يجعله طقساً اجتماعياً بامتياز، يحكمه "نظام" أو قواعد يتعارف عليها الناس (وتختلف حسب البيئات الثقافية والحضارية للشعوب)، ويُميِّزه الطابع المُتكرّر بالإضافة إلى ما يحمله من دلالات اجتماعية ومضامين رمزية ثقافية واجتماعية /طبقية وحتى دينية/إعتقادية.

أبعد من العلامة التجارية (كاريكاتور رأفت الخطيب - خاص الميادين نت) إضغط لتكبير الصورة
أبعد من العلامة التجارية (كاريكاتور رأفت الخطيب - خاص الميادين نت) إضغط لتكبير الصورة

في معرض شرحه لضرورة الاجتماع الإنساني ولِكَوْنِ الإنسان مَدَنِيّ بطبعه، أي لابد له من الاجتماع، ضرب إبن خلدون مثالاً، في مقدّمته ،عن قصور الإنسان على تحصيل حاجته الفطرية من الغذاء بمفرده، فهو يرتبط بمجموعة من الأعمال التي يدخل فيها الزارِع والحاصِد والدارِس وصولاً إلى الحدّاد والنجّار. فالفرد محكوم بالعيش ضمن اجتماع بشري أو بتعبير إبن خلدون:"فلابد من اجتماع القُدَرِ الكثيرة من أبناء جنسه، لتحصيل القوت له". شُرب القهوة لا يخرج عن هذا السِّياق. فتناولنا لفنجان القهوة هو تجسيد لضرورة الاجتماع البشري، ليس فقط لأنها نِتَاج دورة مُعقَّدة من الأعمال، من المُزارع إلى المُنْتِج وصولاً إلينا كمُستهلكين، وإنما لتحوُّلِها إلى طقس اجتماعي يستبطن الكثير من الدلالات والرموز.


شرب القهوة كطقس اجتماعي

تختلف الطقوس من مجتمع بشري إلى آخر، علماء الاجتماع، وعلى رأسهم إميل دوركايم لا يحصرونها في الطقوس ذات الطابع التَعبُّدي أو الاعتقادي لمختلف الأديان والطوائف، وإنما تشمل مراسم التتويج، والزواج، والجنازات، وباقي طقوس المناسبات الرياضية والاقتصادية والسياسية، وكذا كل ما يرتبط بالحياة اليومية للأفراد. بمعنى آليات تواصلهم، وطُرق تبادلهم، أو ما يُسمّى سوسيولوجياً، بطقوس التفاعُل في الحياة اليومية. تلك التي تنطوي على منظوماتٍ رمزية تحكم عمليات التواصل والتبادُل المُنتشرة بين الأفراد في الحياة اليومية كما يقول إيرفينغ ڤوفمان، الذي بيّن أن البشر هم "كائنات طقوسية"لا يمكنهم العيش في شكلٍ مشتركٍ من دون طقوسٍ تفاعلية تُنظِّم تبادُلهم اليومي، فيما يُعرِّفها الأنثربولوجيون على أنها مجموعة من السُّلوكيات ذات الطابع المُتكرِّر، يجري الاتفاق عليها بين أفراد المجتمع وتتنوّع حسب الأغراض التي دفعت الفاعلين الاجتماعيين للقيام بها.

بهذا المعنى فإن تناول فنجان القهوة في جلسة جماعية، يجعله طقساً اجتماعياً بامتياز، يحكمه "نظام" أو قواعد يتعارف عليها الناس (وتختلف حسب البيئات الثقافية والحضارية للشعوب)، ويُميِّزه الطابع المُتكرّر بالإضافة إلى ما يحمله من دلالات اجتماعية ومضامين رمزية ثقافية واجتماعية /طبقية وحتى دينية/إعتقادية.


عن الدلالات الرمزية لشُرب القهوة

طابع التكرار الذي يُميِّز الطقس الاجتماعي يُحيلنا إلى الجانب التاريخي في المسألة. ذلك أنه يحدث ضمن فترات زمنية مختلفة ومُتباعِدة تتوارثها الذاكرة الجماعية للشعوب. فعندما يستمر الطقس الاجتماعي في التفاعُل، فهو هنا يربط الزمن الحالي بالأزمنة الماضية، ويحاول مقاومة التغييرات (أو يتأقلم معها مع الحفاظ قدر الإمكان على الاستمرارية) التي تطرأ عليه بفعل التحوّلات التي تحدث في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية. من هُنا يمكن تحديد مجموعة من الدلالات الرمزية المُصاحِبة لشّرب القهوة كطقسٍ اجتماعي في منطقتنا والعالم:

الرَّمزية الثقافية:

لطقس شُرب القهوة مدلول ثقافي عند الكثير من شعوب العالم، فهو عند الأتراك اليوم يتماهى مع الشعور بالاعتزاز والفخر الوطني الذي يُثري "السردية القومية التركية" المُعاصِرة، على اعتبار القهوة والمقاهي جزءاً أصيلاً من الثقافة التركية وصلت إلى أوروبا عن طريق نفوذ الامبراطورية العثمانية.

أما عند العرب في المشرق فهو التعبير الأمثل عن موروثهم الاجتماعي الأصيل في الكَرَم وحُسن الضيافة، وهو أيضاً تجسيد للتعلّق بالأمّ وبحلم العودة للأرض المسلوبة كما نراها في الصورة الشاعرية التي ينقلها لنا محمود درويش مثلاً، من خلال قصيدته "أحِنُّ الى خبز أمّي وقهوة أمّي". وعند المغاربة (وبالأخصّ في تونس والجزائر) بموروثٍ ثقافيٍ يعكس تلك التفاعُلات الحضارية والتاريخية التي حصلت في المغرب في القرن 16م بين الوجود العثماني وهجرة الأندلسيين.

ولايزال التراث الشعري المَلْحُون في الجزائر يتوارث قصائد شعبية تُشيد بالقهوة، وهو مرتبط عند الأوروبيين بطريقةٍ أسطورية بالإبداع الفني والأدبي والفلسفي من خلال اندماج فعلي يمزج بين فعل الإبداع وبين شُرب القهوة. فالموسيقار الألماني يوهان باخ ألّف مقطوعة موسيقية كان موضوعها القهوة وشُربها، ونُسِجَت قصص أسطورية حول العلاقة بين قهوة الموسيقار بيتهوفن ذات الستين حبّة بُنّ وبين إبداعاته.

وكذلك عن الكاتب فولتير الذي قِيل إنه كان يحتسي 60 كوباً من القهوة يومياً وأنّ أونوري دو بالزاك لم يكن ليكتب "الكوميديا الإنسانية" لولا مُعَدَّل شربه للقهوة الذي لامسَ الخمسين كوباً في اليوم، وهو الذي كتب عن الإلهام الذي يُغَذِّيه شرب القهوة :"تسقط هذه القهوة في المعدة ومن حينها يبدأ كل شيء، الأفكار تَهْتَز ككتائبِ جيشٍ كبير في مَعْمَعَة المعركة.... ".

ويتوسّع "المِخْيَالْ الغَرْبِي" في "تقديسِ" تأثير طقس شُرب القهوة، من إلهام المبدعين من الموسيقيين والأدباء وغيرهم، إلى نجاح القادة السياسيين الكبار وسطوتهم كروزفلت الرئيس السادس والعشرين للولايات المتحدة، وقصة شربه لنصف لترٍ من القهوة (بست قطعٍ من السكر)يومياً.

لا يمكن أن نغفل أيضاً رمزية مُلاَزَمَة هذا الطقس للحركة الثقافية الأوروبية من خلال الجلسات التي كانت تجمع الفلاسفة والأدباء حول فنجان القهوة سواء في البيوت أو في النوادي والمقاهي.

الرَّمزية الاجتماعية /الطبقية:

لشُربِ القهوة كطقس اجتماعي دلالات رمزية إجتماعية في كل العالم .فهو يُجسِّد مقاومة "النزعة الفردانية" التي تُرسِّخها الطبيعة الاستهلاكية للمجتمعات الرأسمالية اليوم، أي بمعنى ما، تكريس للاندماج الاجتماعي. إذ أن شًرب القهوة ضمن جلسات جماعية يجعل منها مناسبة للتفاعُل الاجتماعي العائلي أو المهني، فهي حاضرة في كل المناسبات والمراسم.

ومن الدلالات الرمزية لشُرب القهوة كطقس اجتماعي ترسيخها لمعانٍ ذات علاقة بالتراتبية الاجتماعية. فمكان تناول القهوة (وأحياناً حتى طريقة إعدادها وشربها) يُحدِّد الفئة أو الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها، إن كان في مقهى شعبي أو كافتيريا في حيّ راقٍ أو حتى في مقهى أدبي وملتقى للمُبدعين والمثقفين.

كما أنه يُحيلنا في الوقت ذاته إلى ذلك التقسيم المُكَرَّس في العالم الرأسمالي اليوم، بين مُنتجين فقراء لمادة القهوة (تجارة القهوة تأتي في المرتبة الثانية مباشرة بعد تجارة البترول ) لا يجنون سوى 10 بالمئة  من عوائِد صناعتها، وبين الشركات مُتعدّدة الجنسيات التي تحتكرها وتصل عوائدها إلى عشرات المليارات من الدولارات.

الرَّمزية الدينية/الاعتقادية:

إرتبط شُرب القهوة بمجموعة من الاعتقادات لشعوبٍ مختلفةٍ. فعند الأثيوبيين تختلف ممارساته  حسب الأعراق والأديان المنتشرة في البلاد، فيما ارتبط عند شعوبٍ أخرى في أوروبا الشرقية كما عند الأتراك والغجر، باعتقادات غيبية تتعلّق بقراءة فنجان القهوة لمعرفةِ المستقبل.

أما في منطقتنا فقد انتشر شُرب القهوة بالأصل عن طريق الطُرق الصوفية والشاذلية منها بالتحديد، وقد شكّل مناسبة لبعثِ الصراعِ التقليدي بين الفُقهاء، الذي حرّم بعضهم شُربها، وبين المتصوفة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]