نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

"عتبات": تحول فني من الظلام إلى النور

يتكوّن المعرض من لوحات كبيرة الحجم، ويبدأ بلوحتين يجمع بينهما شكلهما المربع المُتقارب، وبالألوان عينها، واعتماد المناسيب الرقمية، والخدعة البصرية، لكنهما تختلفان في مضمونهما التشكيلي.

"عتبات": تحول فني من الظلام إلى النور

في غاليري "أيام" صخب ألوان صامت، في معرض "عتبات 3" للفنان التشكيلي السوري مطيع مراد، ومسلسل لوحات، تستقبل ألوانُها الزائر بمحاولة خداع بصرية، حيث تتلألأ ألواناً وخطوطاً ومربعات مستقيمة زاهية.

في التصنيف الفني هو التجريد. في الهوية، هو أقرب إلى الفن الإسلامي - الأرابيسك - يستلهم الوحي من الخطوط والأشكال المُتناسقة، والمُتناسبة في محاولة للربط بين النزوع الروحاني، والتشكيل الفني، وبين الدقّة والكمال الأقرب إلى صورة الخالق.


فنون مختلفة من التربيع والتثليث والاستدارة والتقاطع
فنون مختلفة من التربيع والتثليث والاستدارة والتقاطع

وفي الانتماء، توغل أعمال مراد في الرياضيات، تقدّم نموذجاً يذكّر بتطوّر العرب في مجال الرياضيات، والهندسة، وعلمائهم كالخوارزمي، وإبن سينا، والرازي، وعمر الخيّام الذين انتقلت تطوّرات أفكارهم إلى الغرب في مراحل مختلفة من التاريخ، فظهرت أعمال ليوناردو دافنتشي، وليوناردو فيبوناتشي، وكثر آخرون طوّروا الرياضيات باتجاهات علمية كبيرة.


لوحة تناسق
لوحة تناسق

الأعمال في معرض مراد تستوحي بطريقةٍ ما، متتالية "فيبوناتشي"، يختبر الفنان فيها منحىً فنياً جديداً، تجريبياً، تزوغ الأبصار تحت وطأة جموده في حركة مندفعة من دينامية تتالي الأشكال، والأحجام، والأبعاد، كتتالي أرقام "فيبوناتشي".  

ومتتالية فيبوناتشي هي سلسلة أعداد تتميّز في أن يكون الرقم أو العدد في المتتالية نتاج جمع الرقمين أو العددين السابقين له. هذا في الرياضيات، لكنه في الفن يقتصر على استلهام مناسيبه، وأبعاده استحداثاً لإلهام روحاني غير مرئي.


تماهٍ بين خطوط مثلثات وتربيع  دائري
تماهٍ بين خطوط مثلثات وتربيع دائري

هذه المتتالية تنفرد بخصائص كثيرة منها العلاقة مع الرقم الذهبي وهو الرقم 161538 نظراً لخصائصه في الرياضيات كما في الطبيعة، وأطلق عليه علماء الرياضيات إسم "فاي" (Phi).

يتكوّن المعرض من لوحات كبيرة الحجم، ويبدأ بلوحتين يجمع بينهما شكلهما المربع المُتقارب، وبالألوان عينها، واعتماد المناسيب الرقمية، والخدعة البصرية، لكنهما تختلفان في مضمونهما التشكيلي.


"عتبات": تحول فني من الظلام إلى النور
"عتبات": تحول فني من الظلام إلى النور

تتكوّن الأولى من خطوط موزّعة في البُعدين، الأفقي والعمودي، لكن في التشكيل تبدو الخطوط ثلاثية الأبعاد كأنها نافرة عن مستوى سطح اللوحة في لعبة تقاطع الخطوط، وتوزيع الألوان والظلال، لتكون مثلثات مُتداخلة عند الحدود، مع خطوط مختلفة السماكة والألوان، متقاطعة مع خطوط المثلثات.

 


"عتبات": تحول فني من الظلام إلى النور
"عتبات": تحول فني من الظلام إلى النور

الثانية المنتمية إلى مدرسة المناسيب الرياضية كجارتها الأولى، تختلف كلياً في المضمون، حيث تعتمد على المربّعات المُصطفّة طولاً وعرضاً بصفوف مستقيمة، لكن مناسيب المربعات المعتمِدة لتتابع شبيه بتتابع "فيبوناتشي"، توهم الناظر باستدارات متماوجة، وفي حركة حرفية الصنع، نابعة من جمود يجمع بين التربيع التفصيلي، والاستدارة في المنظر العام، فتظهر الصورة خادعة للبصر، متماوجة بين التربيع والاستدارة في آن.

 


جدارية في الصدارة
جدارية في الصدارة

في اللوحة الثالثة، التي تشكّل جدارية تتصدّر الصالة، حرفة فنية ورياضية جديدة، تعتمد التناسق المربعاتي، بأحجام مختلفة، ملتزمة التتالي الرقمي كسابقاتها، لكن تصل لتكون أنصاف دوائر متقاطعة ومتكاملة، تخدع النظر في ثلاثية أبعادها الواهمة، بينما هي ثنائية البعدين الأبسطين.

ويعتمد مراد في هذه اللوحة على امتداد يتألف من صفين من المربعات الثلاثة في كل صف، وبطريقة نصف متعاكسة كضرورة للوصول إلى الفكرة التعبيرية من خلف المربعات المُتشتّتة الأحجام والاتجاهات، والمُتمادية في نزوع حركتها بكافة الاتجاهات كأنها ذاهبة إلى اللامُنتهى.

 


لوحة تحوّل في اللون والمضمون
لوحة تحوّل في اللون والمضمون

يختلف الاتجاه في الرابعة، مضموناً ولوناً، لكن اعتماد المربّعات هو عينه، إنما بمناسيب مختلفة تراعي الانسياب الذي يتبع الخطوط المتوازية، لا الدائرية على غرار اللوحة السابقة. الألوان أكثر ميلاً إلى الخضرة والزرقة والسواد، ويشعر المرء بحركةٍ في اللوحة بالتوازي مع حركة الرأس.


لوحة تجديد في المربعات واللون
لوحة تجديد في المربعات واللون

ينحو مراد في بقية لوحاته إلى ألوان أكثر شفافية، وحركة أكثر هدوءاً، من دون الخروج عن محاولة اختباره لأسلوب جديد يتبعه، يعبّر عن توقٍ للخروج من ماضٍ ٍ غلب عليه طابع ظلامي قاتم، ناقد للحال القاسية للإنسانية واتجاهاتها الفلسفية.

وفي هذا الإطار، تصف الناقدة الفنية، ومؤرّخة الفن ميمنة فرحات عمله للميادين نت بأنه "تغيير في اتجاه عمله"، ملاحظة أنه إذ بات "متخلياً عن تلك الصوَر المُخضّبة نفسياً، سعى (مراد) إلى الطرف المقابل من الطيف، وبدا تجارب في التجريد الهندسي"، مُضيفة أن مراد "خرج من الظلام، ساعياً وراء عالم من الألوان، فكانت هذه المجموعة الجديدة تعبيراً عن سعادته".


لوحة هدوء وشفافية
لوحة هدوء وشفافية

مراد فنان شاب من مواليد حمص 1977، حصل على شهادة البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة دمشق سنة 2001، أغلب معارضه الفنية استضافها غاليري "أيام" في فروعه المختلفة، في بيروت ودبي ودمشق، وسواها، كما عرض في معارض عامة في أنحاء مختلفة من العالم، منها "المتحف الوطني الأردني" للفنون الجميلة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]