علي السقا

كاتب وروائي لبناني. محرر الصفحة الثقافية في موقع الميادين ومعدّ ومقدّم برنامج "حكاية أديب".

قبّليني ...يا أمي!

أعلم أنك سمعتيني وإن بقيت صامتاً حينها. لكنك عوضاً عن الردّ، تشبثتِ بوجهي وأشبعتِ خدي بالقُبَل. "حسناً، قبّلي خدي يا أمي. لا تتوقفي. إنه وجنتكِ التي لم تتغضن بعد. لامسي خدي وامسحيه بكامل أصابعك التي ترتجف برقّة وحنوّ".

لم تكن قبلة وحيدة على خدّي. كانوا أكثر بكثير. لم أستطع أن أحصيهم، لكني أظن أن كل قبلة كانت بألف من مثلها. حدث هذا عندما أخفضت رأسي لأجعل عيني في عينيك. أردت أن أقول لكِ "حدّقي في عينيّ يا أمي. عيناكِ اللتان زرعتيهما في وجهي وأنا لم أزل في رحمك مضغة. عيناكِ اللتان رويتيهما بما تبقى في إناء قلبك من حب وحلم ودموع. حدقي في عينيّ، عيناكِ، يا أمي. مطمئنتان. إستردي منهما السكينة واعطيني ما يطفح من مقلتيك من دموع الخوف لعلّي أهزمه". أعلم أنك سمعتيني وإن بقيت صامتاً حينها. لكنك عوضاً عن الردّ، تشبثتِ بوجهي وأشبعتِ خدي بالقُبَل. "حسناً، قبّلي خدي يا أمي. لا تتوقفي. إنه وجنتكِ التي لم تتغضن بعد. لامسي خدي وامسحيه بكامل أصابعك التي ترتجف برقّة وحنوّ".

ضعفاء نحن يا أمي. لم ولن نكن أقل رعباً منكِ. هكذا نحن البشر، نتصنّع القوة حتى يتدفق الرعب إلى أطرافنا فنسقط مرةّ واحدة. الرابح منّا هو من يشحذ روحه بالصلابة ثانية ولأطول ما يستطيعه من الوقت. لكن الإنتظار وقت يا أمي. الإنتظار رفيق الخوف وتوأمه. الوقت فارغ وسحيق يشعر صاحبه وكأنه يسقط به في فجّ عميق.

لم أقوَ على الإنتظار، ولذلك خرجت. سرحت في بلاد الله التي كنت، لأول مرة ربما، أكثر قدرة على تأمل تفاصيلها. لكني ظللت أحس بالوقت ثقيلاً فوق كاهلي، وإن بقيت أتحايل عليه في ما أتيح لي من الوسائل.

أحسد من يعملون في الطبّ لعلمهم بأسباب كل ما يرونه ويسمعونه من أنين وآلام المرضى ورعب ذويهم. فعلمهم هذا يجعلهم، ربما، أكثر طاقة من سواهم على التحكم بتعاطفهم مع أي مريض. في علمهم كانت نجاتك يا أمي، وكانت مواساتي لنفسي أني لن أراكِ كما أبصرتكِ عندما تسللت لألقي عليك نظرة خاطفة، وأتأكد أن صدرك يعلو ويهبط ولا يزال يعب الهواء. كنتِ تبكين من الألم. رفعتِ رأسك ونظرتي نحوي. ربما لم تعرفينني لحظتها. ربما. إذ كان الوجع وحده من يملك وجهاً مكتملاً في تلك الغرفة الكئيبة.

خرجت وفي شغافِ قلبي الكثير من الدموع التي ذرفتها بعيداً من العيون. ذلك أنني لم أتحرر كفاية مما تربينا عليه في بلادنا، حيث بكاء الرجل خطيئة بحق الرجولة. بلادنا هذه، يا أمي، تريد أرحاماً تلد ذكوراً لا يبكون إلا عند ولادتهم. ذكور ترومهم مع السنين رجالاً بهيئة صخور لا يليّن صلابتها إلا الدمع السافر، فتحظر عليهم البكاء علانية. بلادنا تسمح للرجل أن يبكي في عزلته فحسب، بعد أن يشيّد سوراً عظيماً حول نفسه ويسفح الدمع، ثم تدعه وشأنه ليشعر بوحدته وغربته كبيرة بحجم الكون.

لكن يدكِ المبسوطة أمامي كانت مأمني. تحسستها بأطراف أصابعي. كانت باردة قليلاً وصفراء. كنتِ غائبة عمّن حولك ولا أدري إن كنت ترين بعضاً من الصور أو الأحلام. لكني كنت إلى جانبك. تأملتك ملياً. مسحت يدك وتركت أصابعي تحرث في ذاكرة تجاعيدها وتمضي بسلام فوق عروقها النافرة. رقّيت يدكِ إلى شفتيّ ولثمت ظهرها وراحتها. شممت يدكِ وسرت بها على وجهي، فأنستُ للحبّ الذي منحتني إياه كل تلك السنين حتى غدا لحم يدك خشناً ومتشققاً. أردتُ أن تفتحي جفونك سريعاً. أن أرنو إلى عينيك لاسترد عينيّ.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]