أمين سعدي

كاتب وشاعر من العراق

فنانون عرب ماتوا فقراء ... من هم؟

أيجب أن يموت الفنان العربي فقيراً مُعدماً؟ تعالوا نتعرف إلى نجوم عرب طرق الفقر والبؤس والحرمان أبوابهم.

تنطفئ شعلة الفنان، عندما يجد نفسه وبعد سنوات طويلة من العطاء، مريضاً على سريره أو فقيراً مشرّداً بلا منزل، عاجزاً من أن ينهض، وسط غياب الاهتمام الرسمي خاصة والمعني بالثقافة عامة.

والساحة العربية تضجّ بالحكايات عن فنانين كبار رحلوا عن الأضواء، بعد أن تم نسيانهم على حدود الخارطة الثقافية والاجتماعية، وعاشوا في الوحدة مثل بقايا رماد الزمن.

 


ستة أشخاص في جنازتي!

الفنان العراقي الكبير سليم البصري الذي عُرِف بـ "حجي راضي"، وترك بصمته في ذاكرة العراقيين من خلال (تحت موس الحلاق)، توفى في أيار/ مايو 1997، غريباً ووحيداً، إثر نوبة قلبية، وكان في موكب جنازته ستة أشخاص فقط.

الفنان حمودي الحارثي الذي حضر جنازته قال: "إن من أهم أسباب هجرتي خارج العراق هو عدم الوفاء الذي شاهدته عند وفاة المرحوم البصري".

كما تحدّث عن دوره إلى جانب البصري قائلاً:"أنا وحجي راضي خرجنا من معطف تشارلي شابلن في تجسيد شخصيات واقعية بثوبٍ كوميدي".


شلبي بين مرض وتجاهل

من منا لا يعرف أحد أبطال (مدرسة المشاغبين)، صاحب المشوار الفني بما يزيد عن 90 عملاً. يونس شلبي رحل في عام 2007 وهو يُعاني من الفقر، ويُصارع المرض على سريره مع شكواه بتجاهُل الفنانين لظروفه الصعبة. وكانت زوجة الفنان المصري اشتكت من تجاهل نقابة الممثلين لأزمة شلبي وطالبت آنذاك بعلاجه أسوة بجميع الفنانين. بعد أن اضطرت أسرته إلى بيع آخر ما يمتلك في بلدته المنصورة مسقط رأسه للإنفاق على تكاليف علاجه.


أحداث النابلسي الحزينة

عبد السلام النابلسي وعبد الحليم حافظ
عبد السلام النابلسي وعبد الحليم حافظ

عبد السلام النابلسي فلسطيني الأصل، لبناني المولد، أصبح "فجأة" فناناً كوميدياً في مصر وصديقاً مُقرّباً لعبد الحليم حافظ من خلال أعمال علقت في الأذهان، إلا أن حياته مرّت بسلسلةٍ من الأحداث الحزينة ، منها مرض خطير قيل في المعدة، ومنها فقدان ما يمتلك بسبب إفلاس بنك "أنترا" حيث كان يودع أمواله، مروراً بأزمة مع مصلحة الضرائب المصرية تسبّبت في تهديده بالسجن ومُقاضاته حال عودته من لبنان إلى مصر.

في عام 1968 توفى النابلسي في طريقه إلى المستشفى وهو ممسك بيد زوجته جورجيت، وتكفّل بجنازته صديقه فريد الأطرش، لأن الراحل لم يكن في بيته مال.


حبيب المغاربة .. أعمى!

عبد القادر مطاع
عبد القادر مطاع

بعدما اشتهر الفنان عبد القادر مطاع بأدواره التراجيدية والكوميدية لستة عقود، وأحبه المغاربة من خلال مشاركته في 31 عملاً.

تدهورت حاله الصحية والمادية. ضعف جسده وأصيب بالعمى، وصار على حافة التسوّل، وسط تنكّر المسؤولين لمسيرته الطويلة والإبداعية في الفن.

ولكن في تموز/يوليو 2018 وخلال حصول المطاع على تكريم في المهرجان الدولي للمسرح الجامعي للدار البیضاء، تحدّث عن حال الفنانين قائلاً: "إن الأغلبية من الفنانين في المغرب في حال مسحوقة، مهلوكة لا يعلم بها إلا الله، وأنا واحد منهم".


عائشة ماه ماه .. حياة العذاب

عائشة ماه ماه
عائشة ماه ماه

عاشت الممثلة المغربية من جيل الروّاد عائشة ماه ماه وضعاً صحيّاً صعباً، اضطرت معه للغياب عن الشاشة لمدّة سنة، أجرت خلالها عملية جراحية، وعانت في صمتٍ في الطابق السفلي من مستشفى الصوفي (مولاي يوسف) في الدار البيضاء، من دون أن يسأل عنها أحد، أو تلتفت إليها الوزارة المعنية بالشأن الفني والثقافي، ولا حتى نقابة المسرحيين.

وتقول الفنانة ماه ماه التي تعيش في منزل أشبه بحياة العذاب وتُصارع الفقر إن "الفنان مرآة المجتمع، وعندما يتجاوز سن الخمسين، يجب أن تقدّم له تسهيلات للحصول على السكن".


الأمل بلا أمل

الفنانة التي عشقت ظهورها في مسرحية (الخيط والعصفور) عندما كنت طفلاً في الثمانينيات، قالت لي في دردشة جانبية حين كنا نعمل سوياً في راديو دجلة عام 2006: "الفنان مرآة الوطن، إذا غاب الفنان غاب هذا الوطن وبكل مزاياه .. مثل الموسيقي والشاعر والرياضي إذا غابوا ". وبعدها بسنواتٍ دخلت سيّدة وفاكهة الكوميديا العراقية أمل طه في صراعٍ مع المُعاناة والمرض وضعف البصر، وعلى كرسي متحرّك تنتقل بين منزل وآخر بلا منزل، وفي دور المسنين، وسط إهمال حكومي.

تقول قبل وفاتها في عام 2016: "صفعني القدر وأنا مشلولة بيد واحدة، لن أستطيع العودة إلى الفن، إلى أهلي (...) أين أنت أيها المسؤول، يا عراقي"، شاكرة "الناس الطيّبين وبعض الفنانين الذين قدّموا لها المساعدة".


ست بدور .. ذاكرة الفرح

لا ينسى لبنان ما قدّمته دلوّعة الجماهير الفنانة القديرة أماليا أبي صالح المعروفة بـ (ست بدور) ، وخاصة في الدور الذي قدّمته في مسلسل (المعلّمة والأستاذ) عام 1981، حين ظهرت مع ابنتها "جيسيكا" الفتاة الإفريقية الجميلة التي تبنّتها أماليا منذ الطفولة فرافقتها حتى لحظاتها الأخيرة في عام 2014.

ولا يمكن أن تُنسى معاناتها من أمراض في القلب والرئتين والكِلى، واستحالة دخولها المستشفى لعدم وجود أسرة فارغة ! نعم لا يوجد سرير .. حتى قرّرت الدولة التحرّك متأخّرة "لمرة واحدة".

"ندمت إني دخلت في الوسط الفني وندمت .. لو عارفة هيك بآخر عمرو الواحد وينذل .." بهذه الكلمات ختمت ضحكة لبنان أبي صالح حياتها عن 68 عاماً، بعد أن دخلت في غيبوبة ورقدت في مستشفى "بهمن" في الضاحية الجنوبية لبيروت.


نجاح حفيظ .. أشهر أمّ بلا أطفال

نجاح حفيظ
نجاح حفيظ

"أقوم بدور الأمّ، وأنا لم أُرزَق بطفلٍ خلال زواجي، واعتبر أي طفل هو ابني .."، هكذا هي حقيقة مؤسّسة الدراما السورية القديرة نجاح حفيظ، إبنة دمشق وصاحبة 50 عملاً على مدار خمسة عقود . وفي آخر سنوات الفنانة التي اشتهرت بـ "فطوّمة" بأعمالها الدرامية، وقعت ضحية الإهمال الرسمي والفني، وبقيت أسيرة الجدران في منزلها، لا مَن يسأل، ولا مَن يُعيدها إلى الفن !.

رحلت في عام 2017 بأمنية إعادة تقديم شخصية "فطوّم حيص بيص" وهي تردّد أيضاً لكل صحفي: "أنا لا أمتلك شيئاً أعطيه، إلا فني". لكن الأكثر غرابة من الإهمال أن تغيب عن حضور تشييع الفنانة غالبية نجوم الفن ومؤسّسي الدراما السورية، وكان النعي عبر حسابات الفايسبوك، حتى قال الناقد ماهر منصور: كنت سأكتب : "بأي عين، بعد اليوم، ستتحدّثون عن الوفاء أمامنا"، إلا أنني تراجعت عن الكتابة، لأنه ببساطة نحن لا نعني لكم. سوى أرقام بعداد (الفانز)، تخسروا لايك بتشتروا بعشرة دولار ألف لايك".


البحرة .. ألوان يضيق بها المكان

ابتكر شخصيتي (باسم ورباب) في الكتب الابتدائية، ومثّل الأب الروحي لأجيال سوريا المُتعاقبة من الأطفال، وأُعتبر أول مَن فتح الطريق بريشته المُبدعة إلى الكوميكس السوري في القرن الماضي، وصانع مجلة أسامة في عام 1969.

الأمر الذي حدا بالنقاد لاعتباره إحدى القامات التي أثّرت في الملايين من الأطفال.

الفنان ممتاز البحرة، اختار العزلة لمدة 12 عاماً في دار "السعادة" للمُسنين في حيّ المزّة الدمشقي، وباتفاق مع أمّ الأولاد، مُكتفياً بغرفة من أربعة جدران، ضيّقة المساحة، بعيداً من "الصخب والنفاق والكذب والعقلية التي تحارب الطموح والنجاح" كما يقول، حتى ضاقت به الألوان، وانهكه الجهد والتعب، فمات مات وحيداً في عام 2017 عن عُمر 79 عاماً، وفي وصيته الآتي: "على الجيل الجديد أن يؤمن بأن دمشق هي منبع للمحبة وليس اليأس ...".


في الأمثلة ماض وتتمة !

التاريخ يعيد نفسه، فعمالقة الفنون من المسرح والأدب والموسيقى والرسم .. إلخ، يموتون وهم فقراء أثرتهم أعمالهم بعد قرون من الزمن، فالشاعر الإنكليزي جون كيتس وجدوه ميتاً ثملاً على الرصيف بعد إصابته بالسل، والمؤلّف الموسيقي موزارت مات من التهاب البلعوم ولا يمتلك المال، وهناك الرسّام فان غوغ مات فقيراً وحزيناً وهو صاحب أغلى اللوحات في العالم .. وفي الأمثلة ماض وتتمة.

انعكس التاريخ كأنه يردّد: "يوم لك ويوم عليك"، فالفقر والبؤس والحرمان يطرق أبواب الفنانين العرب وينهش سنواتهم الأخيرة بعد ما قدّموه من عطاء رفعوا من خلاله شأن بلدانهم كنجومٍ في سماء مُعتمة، البلدان التي لم تنصفهم، بل أمعنت في تلوين قتل الإبداع بكل بطء وسرور، والسؤال .. أيجب أن يموت الفنان العربي فقيراً مُعدماً؟ ومَن سيرحل غداً لنرى الإعلام يبكيه مادة دسمة؟

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات الثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]