بيسان أبو حامد

صحفية سورية ومنتجة أفلام وثائقية

على عتبة السفارة

بعد ساعتين من الانتظار، كـ "سيران" جماعي، الجميع يتحدث مع الجميع. نحن شعب يمد الجسور مع الآخرين عن ملل أو عن توجس، لم يحدث أن مددناها لقناعتنا أن الآخرين هم نحن وأنهم امتدادنا على جغرافيا مدينة أو قرية أخرى. لا أميز هنا إلا اللهجات السورية، جميع الموجودين هنا سوريين، واللهجات تدل على أن المحافظات السورية الـ 14 كلها هنا. هذا وطن بكامله على باب السفارة.

مؤسف أننا لم نعرف بعضنا إلا على باب السفارة
مؤسف أننا لم نعرف بعضنا إلا على باب السفارة

في قاعة الانتظار  في إحدى السفارات الأوروبية، تقول سيّدة لأخرى: "والله جوزي عندو حصوة بالكلوى، إن شالله يقبلونا.. بيشتغل بالعمار، شغلو كلو بالرمل والغبرا والله مبارح رجع عالبيت ما قادر يتنفّس".

تردّ الأخرى: "والله الحياة صعبة، أجار البيت 200 دولار وغير 50 دولاراً اشتراك الكهربا".

أحاديث النسوة لم تتغيّر، فقط تحوّلت جلستهن من عتبة الدار إلى عتبة السفارات، بطبيعة الحال العتبات شرفتهن الواسعة على المجهول.

 

إمرأة تتّجه نحو الحمام العمومي، تفتح الباب، وتتراجع.. الحمام قذر!

لا جديد. ثقافتنا قائمة على الطهارة وليس النظافة، نخلع أحذيتنا وندخل بيوتنا الطاهرة بأرجلنا اليمنى، وندخل الحمامات بأرجلنا اليسرى، نحتقر نجاسة الحمام، ونخصّص حذاء لدخوله. الحمام العام نجس، لن يضيره تجاهل الماء المنسكب على الأرض، ولا تناثر المناديل حول السلّة.

 

رجلان لا يخفي مظهر أي منهما طائفته، بالنهاية لم نطوّر هويّات تعبّر عنا إلا ما ورثناه من الانتماء لطائفةٍ أو دين ما، ولم نطوّر أيضاً أساليب تعبير عن هويّاتنا الموروثة إلا بمظهرنا، شكل اللحية، لون السوار في اليد، شكل القلنسوة على الرأس، طريقة لفّ الحجاب.

أحدهما للآخر: "يلعن أبو هالإرهابيين والله خربوا البلد".

يومئ الآخر موافقاً، ويُغالي بالموافقة كمَن يطرد عنه تهمة خشي أن تُلصقه بها لحيته.

الجميع يتدجّن أمام الحلم الأوروبي. أوروبا صارِمة تجاه المواطنة، أنت مرغم على قبول الآخر ضمن سور السفارة، وحين تخرج اشتمه في سرّك إن أردت.

مفارقة! البلاد الديمقراطية لا تسمح لك بحرية كراهية الآخرين، وبلاد الدكتاتوريات تترك لك باب الكراهية مشرّعاً على مصراعيه، وبكل ديمقراطية تستطيع قتل الآخر او احتقاره على الأقل!

 

يافع في بداية مراهقته يسمع أغان بلحنٍ هابط، أميز بكلماتها مدح النبي الكريم. يملّ منها سريعاً يبدّلها بأغنية تركية، لا يكملها، يشغّل دبكة، لا يكملها ويبدأ لعبة على هاتفه، ثوان ويشغّل خطبة لشيخ، ويرجع للأغنية الأولى.. وهكذا لأكثر من ساعة.

أفكّر: "أيّ تخبّط هذا؟ لا خير في بلاد تهدر أجيالها بين الرداءة والتطرّف وضياع الهوية الثقافية".

 

صبيّتان إحداهما متزوّجة حديثاً: "زوجي فلسطيني سوري".

تردّ الأخرى: "إيه بيزرعوا جوافة والله طيّبة. بالله كيف طريقة طبخ الملوخية ناعمة؟".

كغريبتين، كما لو كانتا من بلدين مختلفين، تتعرّفان على عاداتهما وطبخاتهما وتقاليدهما. مؤسف إننا لم نعرف بعضنا إلا على باب السفارة. ربما، لو كنا نعرف بعضنا أكثر لما كنا من الهشاشة أن يصدعنا الشرخ بكل هذه الفجاجة. قرار الانفتاح على الآخر من عدمه ما عاد بيدنا، ما عدنا جماعات مُتماسكة متكوّرة على نفسها، نحن اليوم فُرادى، ننصهر مع فُرادى مثلنا لنتماسك معهم ونتكوّر من جديد.

 

بعد ساعتين من الانتظار، كـ"سيران" جماعي، الجميع يتحدّث مع الجميع.

نحن شعب يمدّ الجسور مع الآخرين عن مَلَلٍ أو عن توجّسٍ، لم يحدث أن مددناها لقناعتنا أن الآخرين هم نحن وأنهم امتدادنا على جغرافيا مدينة أو قرية أخرى.

لا أميّز هنا إلا اللهجات السورية، جميع الموجودين هنا سوريين، واللهجات تدلّ على أن المحافظات السورية الـ 14 كلها هنا.

هذا وطن بكامله على باب السفارة.

 

أنا للشاب على يميني: معك قدّاحة؟

السيّدة إلى يساري تبتسم بتواطؤ وتضغط على مسبحتها الالكترونة وتتمتم بالبسلمة.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]