ريم الحمصي

صحافية من سوريا

سوريا تستردّ جزءاً من حضارتها المنهوبة

معرض "كنوز سوريا مُستردّة"الذي يستمر حتى 13 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أرادته دمشق رسالة لانتصار السوريين على ظلام الإرهاب المُمنَهج الذي طال تاريخ حضارة عُمرها آلاف السنين.

استضاف "دار الأسد للثقافة والفنون" في دمشق معرضاً للآثار حمل عنوان "كنوز سوريا مُستردّة".

المعرض الذي يستمر حتى 13 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أرادته وزارة الثقافة السورية رسالة لانتصار السوريين على ظلام الإرهاب المُمنَهج الذي طال تاريخ حضارة عُمرها آلاف السنين.

ضمّ المعرض حوالى 500 قطعة أثرية تم استردادها بعد أن كانت مُعدَّة للتهريب خارج البلاد، وتم تسليمها إلى المتحف الوطني من ضمن مجموعة وصل عددها إلى نحو 8500 قطعة أثرية، كما احتوى المعرض على قطعٍ أثريةٍ مُرمّمة تضرّرت بفعل الإرهاب.

احتوى المعرض على العديد من الآثار والقِطًع التي تنتمي إلى فتراتٍ تاريخيةٍ متنوّعةٍ بدءاً من القرن العاشر قبل الميلاد وصولاً إلى العصور الإسلامية المُتأخّرة.

ومن هذه الآثار عيّنات من الفخّار والزجاج اليدوي والذهب والعملات النقدية النادرة ومجوهرات وحليّ من العاج والأحجار الكريمة ، عُرِضت بطريقةٍ مُنسّقة كل صُنفٍ منها على حدة، مُذيّلة بورقةٍ تشرح إسم القطعة وتاريخها والمكان الذي وجدت فيه. من بين هذه القِطَع أعمدة تعود إلى العصور الرومانية ومخطوطات إسلامية دُوّنت سنة 403 هجرية، ومخطوط عثماني دوِّن سنة 1328 هجرية، إضافة إلى أساور زجاجية تعود إلى القرن 7- 8 هجري.

وكذلك تمثال من البازلت يكسو شعره إكليل من الغار اُسترِّدَ من منطقة الضمير ويعود إلى العصر الروماني. هذا التمثال الشهير هو ليحيى بن يلهودا، وهو كاهن كبير في تدمر توفّى عام 120ميلادي وتم نحته في فترة حُكم الدولة الإسلامية في دمشق، انتُشِل من مقابر تدمر القديمة.

أما أبرز الآثار الإسلامية المُستردَّة التي تضمّنها المعرض فكانت قربة نحاسية تعود إلى الفترة المملوكية بين القرنين ال 8– 9 الهجريين، حيث زُيِّنت بأشكالٍ هندسيةٍ ونباتيةٍ، وزُيّنت من الأعلى بزخارف هندسية تليها كتابة عربية بطولٍ يقارب 28 سم.

كما ضمّ المعرض مُجسّماً دائرياً من الطين المُجفّف بالشمس، يعكس تفنّن معماري مملكة ماري في تخطيط بيوتهم. المُجسّم مؤلَّف من عدّة حجرات تتوسّطها باحة سماوية لها عدّة أبواب ومُحاطة بسورٍ خارجي مُستدير. المُجسّم يعود إلى عصور ما قبل سرجون الأكادي. أي إلى النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد، إضافةً إلى منحوتة حجرية أنثوية كاملة الشكل استرِدَّت من منطقة القلمون باسم "الآلهة الأمّ" وهي تشبه المنحوتات المُتعارَف عليها في عصور ما قبل التاريخ، وتعود إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخّار بين 8700 و 9500 قبل الميلاد. كما تصدَّر المعرض تمثالان نصفيان تم ترميهما في إيطاليا بعدما دمّرهما تنظيم داعش خلال سيطرته على مدينة تدمر في حمص.

في حديث للصفحة الثقافية في الميادين نت شرح محسن حسين، وهو ضابط ارتباط لبناني في المديرية العامة للآثار والمتاحف، عن طبيعة الآثار الموجودة في المعرض والقيمة التاريخية لها، وعن سبب وجود تماثيل مقطوعة الرأس. إذ قال "عرضنا عدداً قليلاً من الآثار المُستردَّة لكننا سنعرض باقي القطع في متحف دمشق"، مُضيفاً "حصلنا على عددٍ كبيرٍ من القطع لكن معظمها كان مزوّراً".

أما في ما يخصّ وجود تماثيل مقطوعة الرأس في المتحف، فأشار إلى أنها "تعود لشائعة انتشرت في التاريخ قديماً حيث نلاحظ أن معظم التماثيل حطّمت رؤوسها والسبب هو أن الرأس قديماً كان يتركّب بشكل منفصل عن باقي الجسم، وبالتالي هناك معتقد عند مُنقّبي الآثار أنه يمكن أن يجدوا شيئاً "لقية " داخل الرأس. لهذا كان بعضهم يكسر رأس التمثال أملاً في الحصول على كنز أو ما شابه، لكن هذا الاعتقاد غير صحيح".

وكان وزير الثقافة السوري محمّد الأحمد قد صرّح عند زيارته المعرض بأن بلاده فقدت الكثير من الآثار عبر سنوات الحرب التي مرّت، مشيراً إلى أن القطع المعروضة "تم استردادها من مناطق مختلفة من سوريا كانت خاضعة لسيطرة الفصائل المقاتلة في منطقة الفرات والغوطة ودرعا وحمص"، مؤكّداً وجود "عشرات آلاف القطع تم تهريبها خارج البلاد ولم نتمكّن من استعادتها ، منها ما لا يقلّ عن 17 ألف قطعة في تركيا ومئات القطع في الأردن والآلاف في عدد من الدول الأخرى".

يندرج المعرض الذي حضره عدد من المسؤولين السوريين والمُهتمّين بالشأن الثقافي، يندرج ضمن الجهود الذي تبذلها دمشق لضبط واسترجاع ما سُرِق من آثارها خلال سنوات الحرب، وذلك بالتواصل مع الجهات المعنية ومنها الإنتربول ومنظمات دولية أخرى.

وقد أحصت المديرية العامة للآثار والمتاحف تضرّر أكثر من 710 مواقع أثرية في مختلف أنحاء سوريا. كما أفادت الأمم المتحدة في تقريرٍ سابقٍ لها عن تعرّض نحو 300 موقع بارز للتدمير أو الأذى أو النهب منذ بدء الأزمة.

ومن هذه المواقع ستة مواقع مُدرَجة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي، نذكر منها المدن القديمة في دمشق وحلب وبصرى الشام وتدمر وقلعة الحصن.

الآثار ليست فقط جزءاً من التاريخ هي ثقافة بحد ذاتها ولها قِيَم تضاهي قِيَم العلوم والإنجازات، وهي أولاً وقبل كل شيء تُعتَبر الدليل المادي على وجود الشعب وأحقيّته بأرضه التي يُقيم عليها.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]