إبراهيم شمص

صحافي في الميادين نت

عن بيروت الغائرة

بيروت مدينة جمعت كعواصم أخرى بين الثراء والأبهة من جهة والفقر والبؤس من جهة أخرى. جمعت بين مثقّفين من مشارب مختلفة. من مطابعها صدرت صحف عريقة. نجمها برّاق رغم تضافر الصعاب عليها، وغياب ملاح الليالي.

درّة نادرة في الشرق الأدنى المُضطرب هي بيروت كما يُعرّفها سمير قصير في كتابه (تاريخ بيروت، 2006، دار النهار). كانت كذلك بعد عقود على استقلال لبنان، رغم أنها شهدت حرباً أهلية قصيرة عام 1958 بين مشروعين: الأول مؤيّد لحلف بغداد وآخر للسياسة الناصرية. لن تطول ليالي الظلمة على مدينة جمعت كعواصم أخرى بين الثراء والأبهة من جهة والفقر والبؤس من جهة أخرى. جمعت بين مثقّفين من مشارب مختلفة. من مطابعها صدرت صحف عريقة. نجمها برّاق رغم تضافر الصعاب عليها، وغياب ملاح الليالي.

ستنتهي الحرب بعد 4 أشهر على اندلاعها. ستنفذ الحرب إلى بيروت مجدّداً، ومنها إلى الوطن بأسره. ستشطر شرقية وغربية لعقد ونصف العقد من الزمن بحرب أهلية (1975-1989) بين المعسكرين عينهما وإن اختلفت التسمية. هذا دأب أمّ الشرائع في جمْع التضاد دوماً. تضاد جعلها أول عاصمة عربية تسقط بيد "إسرائيل". كانت نكسة خلخلت شكيمة المدينة الساحلية. قبل أن تستعيدها سريعاً بمقاومة الغزاة وطردهم. خرج الإسرائيليون من بيروت وقد أنهكها دمار اجتياح 1982، وغيّرت معالمها قذائف أبنائها المُتقاتلين تحت سمائها.


نفضت بيروت عنها غبار الحرب والدمار. "غومون بالاس" السينما بيضاوية الشكل الصامدة على ما تبقّى منها حتى يومنا هذا في شارع بشارة الخوري، للذكرى بقيت تحدّث جيل ما بعد الحرب عن بيروت عاشها أسلافهم في زمن "منارة الشرق". تحدّثنا صوَرها القديمة عنها. معالمها لا تزال تشبه نفسها. رؤوسها وخلجانها عند البحر. لكن شيئاً ما تغيّر وقد أكلت منها الحداثة ما أكلت. ونالت منها بيروت حصّة وازِنة من زمن جديد لا يشبهها. لا ضَيْر في عمران وإعادة إعمار، الضَيْر في روح مدينة غابت عن الشوارع الغرّاء فيها.

يحدّثنا أسلافنا عن بيروت. "هكذا كانت ساحة البرج". "هنا سكة الترامواي" .."الحمرا، البرج، ساسين، أوتيل النورماندي، بسطة أبو إبراهيم، السينما".. وكأن حداثة ما قبل حداثة بعثت في الماضي وخبت اليوم تحت إسمنت معرّق. إسمنت دفن تحته شهداء المدينة ولبنان. وفوقه، لحن جديد من الجور يعزف برائحة نفايات كريهة تفجّرت أزمتها في السنوات الماضية.


لجوف الزمن ألف شكوى. المدينة التي عرفت حضارة الأمم يرسلون إليها ثقافاتهم بمعارض الكتب، وصدحت فيروز لها أن "عانقيني"، لا تربو إلى مصاف قتال أزمة عابرة. وكم عبرت من أزمات جثت عند أعتابها؟ وبقيت بيروت تنظر إليها من فوق. من فوق حيث تنظر أنت إلى بيروت عائداً من سفر. من نافذة الطائرة، تمرّ بسرعة ملامحها. البحر، الصخرة، الثراء، الفقر، الكآبة، السرور، الدفء... ربما هي معالم. ربما هي أمانٍ. لكنها وكما سلف، بيروت التضاد. إلا أن صفة جديدة ستكتب. بيروت الدفء العامِر عند لقياها. يتسربل أولاً، ثم يُهيمن سريعاً على روح المار في الطرقات العابق بمشاهدها الكثيرة والمختلفة. كأنها تقول لأهلها ولزوّارها، أهلاً بكم حيث لا حدود للأفق. وأهل المدينة يقولون لكل مَن وطأت قدماه إياها، أهلاً بك في مَن عرفها التاريخ بغير لون، فيه سارت وتبقى غائِرة.