عبد الله بن عمارة

كاتب من الجزائر

الموسيقى الأندلسية.. من بغداد إلى قرطبة

ما هو تاريخ الموسيقى الأندلسية ومميّزاتها، وكيف تشكّلت مدارسها في الجزائر؟  

لا تزال حواضر المغرب، كفاس وطنجة وتِلْمْسَان والجزائر والبُلَيْدة وقَسَنْطِينَة وتونس وغيرها، تشهد على التراث الأندلسي في العمران والطبخ واللباس والموسيقى، الذي يعكس ما وصلت إليه الحضارة الأندلسية خلال ثمانية قرون من الوجود الإسلامي.

لكن الموسيقى الأندلسية تظّل أهم مُكَوِّن في هذا التراث، الذي انتقل، في مراحل تاريخية مختلفة ،إلى المدن المغربية عبر الأندلسيين الذين سكنوا مدن المغرب، أو اختطّوا بعضها (البُلَيْدَة، القُلِيعَة، شَفْشَاوَن) بعد أن هُجِّرُوا من دِيارهم، ومن الطبيعي ألا تُشكِّل حواضر المغرب الأوسط (الجزائر الحالية)، أيّ استثناء في هذا السِّياق، فما هو تاريخ هذه الموسيقى، وما أهم مميّزاتها، وكيف تشكّلت مدارسها في المجال الجزائري؟  


في البداية ... كان زرياب

في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، ترك المُغَنِّي أبو الحسن علي بن نافع المُلَقَّب بزِرْيَاب بغداد متوجّهاً صوب بلاد المغرب، فاستقر لبعض الوقت في القيروان، عند بلاط بني الأغلب، الذين اتخذوها عاصمة لهم، ثم غادرها نحو قرطبة التي كانت تحت حُكم الأمويين. وهناك قَرَّبَهُ الأمير إليه، فَأَبَانَ زِرْيَابْ عن قدراتٍ إبداعيةٍ كبيرة وعن ثقافةٍ واسعةٍ ليس في مجال اختصاصه الموسيقي فحسب بل في الطبخ واللباس والآداب.

إذ عندما نقرأ ما كتبه عنه المَقْرِي وإبن الخطيب وغيرهم نجد أنفسنا أمام شخص أحدث ثورة حقيقية في مظاهر اجتماعية عديدة من حياة المجتمع القرطبي والأندلسي عموماً، ناهيك عن إبداعه في الموسيقى بدءاً من الإضافات التي أحدثها في آلة العود، وصولاً إلى تأسيسه لمدرسةٍ لتعليم الموسيقى والغناء بمقاييسٍ صارمةٍ لقبول تلاميذها، خَرَّجت أجمل الأصوات وأحسن العازفين من داخل الأندلس ومن خارجها من المدن الأوروبي.

ومَثَّلَت تلك المدرسة (التي ذاع صيتها لاحقاً وانتشرت في كامل الأندلس لِتَتَفَرَّع عنها مدراس في مدن أخرى كمدرسة إشبيلية وغرناطة وبلنسية)، هي البداية الفعلية لِمَأْسَسَة الموسيقى الأندلسية في شكلها اللّحني، والذي ميّزته النَوْبَات التي بلغت في أوَّلِ عهدها 24 نَوْبَة على عددِ ساعاتِ اليوم، (بقي منها، حسب المُختصّين، 16 نوبة في الجزائر و13في تونس و11 في المغرب) وهي أنماط لحنية تضبطها موازين (إيقاعات) وفق تقليدٍ موسيقيٍّ مُحْكَم كان زِرْيَابْ هو مَن وضع أُسُسَه، حسب ما ذكره المَقْرِي في كتابه الشهير "نفح الطيب من غصن الأندلس الرّطيب"، ولكل نَوْبَةٍ إسم خاص (الرّمل، الماية، الرّصد، الحسين، عراق العجم...الخ).

وعادة ما تُفْتَتَح بما يُسَمَّى بالاستخبار (شكل من أشكال المواويل) تَعْقُبُهُ أنغام وإيقاعات متناسقة، بعد أن أخذت شكلها الشِّعري مِمَّا يُعْرَف بالمُوَشَّحات والأَزْجَال التي تميّز بها أهل الأندلس.

والمُوَشَّح هو نمط شِعْرِي مُتحرِّر من الأساليب والنظم وبحور العروض التي تضبط القصائد في الشعر العربي، وفي هذا يقول المُؤَرِّخ إبن خلدون في مقدّمته: "وأمَّا أهل الأندلس فلما كثر الشعر في قُطرهم وتهذَّبت مناحيه وفنونه وبلغ التنميق فيه الغاية استحدث المُتأخِّرُون منهم فنًّا منه سمّوه المُوَشَّح ينظمونه أسْمَاطاً  أسْمَاطاً وأغصاناً أغصانا، يكثرون من أعاريضها المختلفة ويُسمُّون المتعدّد منها بيتاً واحداً ...وكان المخترع لها بجزيرة الأندلس مُقَدَّمَ ابْنَ مُعَافِرٍ الفَرِيرِي من شعراء الأمير عبد الله بن محمّد المرواني ...".

لقد أثّرت المُوَشَّحات والأزْجَال الأندلسية في أنماط ومضامين الشعر الأوروبي، فكان الشعراء والموسيقيون المُتَجَوِّلُون، أو ما يُعرف بالتروبادور، في جنوب فرنسا خاصة، ينظمون قصائدهم على ذات طريقة المُوَشَّحات، كما يُشير إلى ذلك عدد من الباحثين الغربيين والمغاربة (منهم الباحث الجزائري محمّد عباسة)، ويُلحظ التأثير الموسيقى العربي الأندلسي أيضاً في التراتيل الكنسية الإسبانية، كما في ظاهرة موسيقى "الفلامنكو" التي نشأت لاحقاً.


انتقال الموسيقى الأندلسية إلى الجزائر ومدارسها

ظهور الموسيقى الأندلسية في الجزائر (كما في المغرب ككل) ارتبط بهجرة الأندلسيين (مسلمين ويهود) من شبه الجزيرة الإيبيرية، واستيطانهم (أو تأسيسهم) لمدنٍ جزائريةٍ عديدة.

يُمكن حصر الهجرة الأندلسية في محطتين تاريخيتين: الأولى قبل انهيار غرناطة (في نهاية القرن الخامس عشر)، وهي الفترة التي تَلَت سقوط المدن الإسلامية كقرطبة وإشبيلية وغيرها، والثانية بعد سقوطها، وصولاً إلى الهجرة النهائية، إثر قرار الطرد الذي أصدره الملك فيليب الثالث في بداية القرن السابع عشر.

فعلى سبيل المثال يتحدث العديد من المصادر أن مدينة تِلْمْسَان، وقبل أن تستقبل أعداداً كبيرةً من المهاجرين الغرناطيين بعد سقوطها، كان قد وصلها عشرات الآلاف من سكان قرطبة في القرن العاشر ميلادي ثم تتابعت "موجات" أخرى في القرن الثالث عشر من إشبيلية باتجاه مدنٍ في شرق الجزائر كانت آنذاك ضمن سلطة بني حفص (سلالة بربرية من قبيلة مصمودة في الأطلس الكبير، استقلّت بالمغرب الأدنى بعد سقوط امبراطورية المُوَحِّدين، واتخذت من تونس عاصمة لها)، أبرزها بجاية، قسنطينة وعناب.

كان اختيار الإشبيليين للدولة الحفصية منطقياً بالنظر للعلاقة التي ربطتهم بهذه السلالة، منذ أن كان المؤسّس ابو زكريا يحيى بن حفص حاكماً لإشبيلية عن المُوَحِّدِين الذين حكموا كل بلاد المغرب والأندلس.

وفي بداية القرن السادس عشر مع وصول الأخوة بربروس إلى الجزائر والدور المركزي الذي لعبوه في صدِّ الهجمات الإسبانية وإنقاذ المسلمين الأندلسيين من جهة، وفي تشكيل "الكيانية الجزائرية الحديثة"من جهة أخرى، تواصل تدفّقهم، فاقْتَطَعَ خير الدين بربروس أراضٍ لرئيسهم، المُتَصَوِّف سيدي أحمد الكبير الذي اخْتَطَّ فيها مدينة "البُلَيْدَة"، كما فعل بعده إبنه حسن باشا مع مجموعاتٍ من الغرناطيين والقرطبيين، فأسّسوا مدينة "القُلَيْعَة".

كما سبق وذكرنا، فإن مدرسة قرطبة التي أسَّسَها زِرْيَابْ، كانت "المدرسة الأمّ" التي أَرْسَتْ قواعد النمط الموسيقي الأندلسي الذي انتشر في باقي المدن كإشبيلية وبلنسية وغرناطة، فتشكَّلت في هذه المدن مدارس تتميّز كل منها بِخُصُوصِّياتٍ في النَوْبَات والأداء والأزْجَال، ما يجعل إمكانية التفريق بين ألحان كل مدرسة، أمراً مُتَاحاً حتى لِغَيْرِ المُختصّين في الموسيقى.

من الطبيعي أن تنتقل تلك الفروق مع المهاجرين الأندلسيين للجزائر، فتصبح تلك الأنماط الموسيقية المختلفة، التي توارثتها الأجيال عبر تقاليد شفوية تعبيراً عن أصولها، فما يُسَمَّى بموسيقى "الصَّنْعَة" في مدينة الجزائر وما جاورها من حواضر في وسط البلاد كالبُلَيْدَة والقُلَيْعَة، ورثت المدرسة القرطبية وأضحت نَوْبَاتُها هي الناظم الأساس لكل مظاهر الحياة الفنية في المنطقة بل والدينية أيضاً سواء من خلال قصائد المديح، التي كانت ولا تزال تُؤدَى في ذكرى ميلاد الرسول ("المُولُود" في اللهجة الجزائرية) والتي تُسمّى ب"المُولُودِيَات"، أو من خلال أداء المُؤَذِّنِين للصَّلاة في المساجد.

أما ما بات يُعرف بــــ  "الطرب الغرناطي" في تِلْمْسَان فهو امتداد لمدرسة غرناطة وتفرّع منه طابع "الحوزي" وهو الذي اختصّ به سكان أحواز المدينة (أطراف تِلْمْسَان)، ولا تُؤدّى قصائده باللغة العربية الفصحى كباقي الموروث الغرناطي وإنما باللهجة العامية. أما موسيقى "المَالُوفْ" في قسنطينة وعنابة فهي سليلة المدرسة الإشبيلية في تَمَيُّزِها على مستوى النَوْبَات كما المُوَشَّحات والأَزْجَال.

المُؤكّد هو أن الموسيقى الأندلسية في الجزائر حافظت على قواعدها الأساسية رغم ما تعرّضت له من تأثيرات عبر الزمن، من الفولكلور المحلي أولاً ثم من الموسيقى التركية منذ القرن السادس عشر تاريخ (بداية الوجود العثماني)، ثم لاحقاً من الموسيقى الأوروبية في فترة الاستعمار الفرنسي.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]