نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

نديم فتفت ... هكذا تُهزم الإعاقة

بيُمناه يحرك الكرسي متغلباً على الشلل وباليسرى يملأ الكون ألواناً زاهية.

بيُمناه، يُحرّك عَرَبة تَنَقّلِه مُتغلباً بها على شللٍ أُصيب به وهو طفل، وباليُسرى يملأ الكون ألواناً زاهية طافِحة بالتفاؤل والأمل.

إنه الفنان التشكيلي اللبناني نديم فتفت الذي يُقدِّم نموذجاً ينظر إلى الحياة من كلِ جوانبها، ويستمدّ من جمالاتها ما يكفي لبناء عالمٍ من النزوع، والاستمرار، مُتمادياً في أحلامه لتأسيس ما يؤثر تسميته بــ "المقاومة الثقافية". 

يُقدِّم فتفت علاوةً على ذلك، مثالاً لكثيرين من الأصحّاء أن الحياة جميلة مهما قَسَت الظروف التي يمكن التغلّب عليها بالإرادة والعقل المُتنوِّر.

 

 


غلب على المعرض حينها طابع تجريدي، بكثيرٍ من السوريالية، وكلها بالزيت الشفّاف الذي يشي بالمائيات ما يُعبِّر عن رشاقة ريشة الفنان، وقدرته على التلاعُب باللون ليجعل منه حيِّزاً يحمله ما يريد ما رسائل بكل اتجاه. ولم يتوانَ عن الكلاسيكي شبه المُباشر، برمزيةٍ وفيرةٍ كما في لوحة الأمّ، والعشق، وربّة الجمال، والشوق، والحنين.

وفي كلمةٍ له في افتتاح المعرض، دعا فتفت إلى "مقاومة ثقافية تواجه الظلامية التي ستملأ الفراغ إن لم نملأه نحن بفننا، وثقافتنا".

ولِدَ نديم فتفت في سير- الضنية، المصيف المفضّل لسكان طرابلس، مثلما شكَّلت طرابلس مشتىً لسكان مختلف المناطق الشمالية، وفيها نما وكبرت أحلامه وهو مُقعَد وحقَّق الحيِّز الكبير منها بنضالٍ دؤوبٍ وقوّة إرادة، فأصبح فناناً تشكيلياً من الصف الأول، وخرج بطموحه، وقدراته، وتغلّبه على مصاعبه الجسدية من البوتقة المحلية الضيّقة، إلى العالمية، فنقل معروضاته إلى عددٍ من دولِ العالم، في أوروبا، ومصر، والخليج.

أصيب نديم فتفت بالشلل في الثالثة من عُمره، أي عام 1963. يومها ضربت موجة من مرض الشلل منطقته، وأصابت بطريقها سبعة أطفال، كان هو واحداً منهم.

وليس خافياً ما يتسبَّب به الشلل من إرباكٍ وصعوباتٍ، فخضع للعديد من عِلاجات مكّنته من التحرّك، وحصرت شلله بقدميه بصورةٍ نسبية، فعانى العزلة الريفية، واكتئاب الشتاء في الأرياف. قاوَم، وكَسَر رتابة مرضه، وضيق مجال حركته في لحظةٍ امتشق فيها قلم تلوين لأشقائه، وورقة من دفاترهم، ورسم المشهد الذي راقه، وهو حفر خشبي على إحدى كنبات المنزل.

كانت تلك تجربته الأولى مع الرسم، وخرج بها برسمةٍ جميلةٍ مُنمّقةٍ، ودقيقةِ التفاصيل، أفرحت والده، فعلّقها له على جدار المنزل، ومنها دخل السرور إلى قلبه ووجد في الرسم مجالاً لمزيدٍ من الفرح، ومزيدٍ من كَسْرِ العزلة، ومصروفه اليومي الذي خصّصه لشراء دفاتر الورق، والأقلام، بدلاً من الحلوى والشوكولا.

لم تُتِح له إعاقته الالتحاق بالمدرسة، فالتنقّل في القرى الجبلية صعب، والطُرُق ليست ميَّسرة، فخصَّص له أهله مُدرّسين خصوصيين.

 


يقول نديم عن ذلك للصفحة الثقافية في الميادين نت "لقد برعت بالدراسة المنزلية الخاصة، وصرت أساعد أخوتي بتسميع ما يتقنونه من دروسهم".

اكتفى نديم بأن أوجد لنفسه مساحةً يرتاح فيها بالفن التشكيلي المُقتصِر في بداياته على الرسم على الورق، يعلِّقها على جُدران غرفته، حيث يتذكَّر "كانت أولى رسماتي الأب والأمّ، ورسوم البواخر التي تعايشت معها بغطاء الأثاث، ثم من الحيوانات الأليفة حول المنزل"، ويردف نديم إنه "عندما كان شخص يُعجَب بإحدى لوحاتي، كنت أسعد برأيه، وأهديه اللوحة، فوزَّعت غالبية ما رسمت"، ولذلك لم يتبق من لوحاته الأولى إلا النادِر.

ثم يأتي دور الأهل في تعزيز توجّه الفنان نديم، حيث كان الوالد يشتري منه ما يرسمه بعد أن لاحظ أن إبنه لم يعد يتمتَّع بما يتمتَّع به بقيّة الأولاد من حلوى، وطيبات، حيث صرف خرجيّته على حاجات الرسم.

وتتوافق الظروف مع نديم، عندما استأجر أستاذٌ للفن بيتاً في المبنى الذي يقطنه، وكانت مناسبة استفاد منها نديم، وطوَّر خبرته على يده، فانتقل من الرسم بالقلم، إلى الرسم بالزيت والريشة على القماش، وكان، كما قال، يحضر القماشة بيده بالتغرية، والمواد الأولية للرسم، وإضافة السبيداج، والزيت، والتربنتين، ومعجونة تساعد على تحضير القماشة، حيث إنه لم يكن يعرف أن هناك أقمشة جاهزة للرسم.

يتحدَّث نديم عن تجربته الأولى في التشكيل للميادين الثقافية قائلاً إن "أول لوحة وضعتها كانت لفيكتور هوغو، ثم لجبران خليل جبران، وأخذتها من كتاب أختي، وقطعتها مربعات لتسهيل ضبط الشكل بالطريقة التي أرشدني الأستاذ إليها".

ومع بلوغه السابعة عشرة، نضجت تجربته مع الزيت، وبدأ التحضير لإقامةِ معرضٍ للوحاته، وفي هذه الأثناء، شارك بمسابقةٍ للطلاب الثانويين، ونال الجائزة الأولى، وكانت عن غروب الشمس. بعد انتهاء الأحداث أواخر السبعينات، أقام فتفت أول معرض له في "نادي الجامعيين"، أحد أبرز المراكز الثقافية الناشطة في ذلك الحين، فلفت الأنظار، وصار مطلوباً من كثيرين لرسم شخصيات، خصوصاً ذات طابع سياسي.

تطوَّرت تجربة نديم وفتح مجال الفن أمامه في لبنان بمعارض مشتركة وإفرادية، ثم تعرَّف على طريقةٍ للمشاركة في معارض خارجية، وكانت أولى التجارب الخارجية في سويسرا عن طريق غاليري "دار"، وتم ذلك بإرسال اللوحات للغاليري من دون الذهاب إلى هناك، ويوضح: "أرسلت 12 لوحة من أعمالي بواسطة ال DHL، وبيعت منها أربع لوحات، وأعيدت البقية لي".

طوَّر نديم خبرته وثقافته الفنية، وانتقل إلى باريس حيث أقام لدى شقيقته أربع سنوات، كانت مناسبة للمشاركة بمعرضين، وإقامة معرضين خاصّين به. ويعلِّق على ذلك بقوله: "زار باريس قياديون لبنانيون، وأعجِبوا بأعمالي، وشجّعوني، وشعرت في هذه الفترة من تطوّرات عملي بالثقة التامّة، لكن شعرت بتحدّي الحفاظ على المستوى الذي بلغته، والصعود إلى أفضل".

من المحطّات التي يصفها هامة في حياته الفنية، المهرجان الذي نظّمته جريدة "النهار" اللبنانية تحت عنوان "الحصاد" بالتعاون مع الجامعتين الأميركية واليسوعية، وشارك في المهرجان بمنحوتةٍ من الخزفِ، وكانت تعبيراً عن الحصاد، ونالت الجائزة الأولى، وفتحت المسابقة له باب النحت على مستوياتٍ مختلفةٍ.

محطّات أخرى من فنه، هي عندما طلبت منه شركة "إعمار" إقامة دورة رسم لمرضى التوحّد، واستمرت لعشرين يوماً، ونجحت الدورة بشكلٍ لافتٍ لدى متوحّدين من دولٍ مختلفةٍ، بالاشتراك مع جمعية "النور" الهندية.

"كانت النتيجة الإيجابية لدى مرضى التوحّد أنني نجحت في تفاعُلهم مع اللون"، يقول فتفت. اليوم، يعمل نديم فتفت في مجال الفن بين لبنان ودبي، ويوزِّع سكنه بين البلدين، في عملٍ فني دائمٍ ومستمرٍ.

 

 


فتفت القروي

يضغط نديم زر العربة، ويقبض على مقوَدها، ويجول بها في طرابلس (شمال لبنان)، المدينة التي أحبّ، وانتقل للعيش فيها من مسقط رأسه الريفي، يتنقّل في أسواقها، وبين مُحترفاتها الفنية، والثقافية، والمهنية. يتأمَّل، ويُقيِّم، وينتقد، ويُعطي المشورة لمَن يحتاج، ويُطلِق العَنان لعربته تنقله إلى حيث يشاء في أرجاء المدينة.

أقام نديم معرضه الفردي التاسع، والأخير له، منذ فترةٍ في صالة غرفة التجارة والصناعة في طرابلس، تحت عنوان "الحياة بالألوان"، برعايةٍ من وزارة الثقافة اللبنانية، والمركز الثقافي الفرنسي في طرابلس، وعرض فيه باقة جديدة من أربعين لوحة من الأعمال التي أنارت الصالة بالألوان الزاهية، والمضامين التفاؤلية، ذات البُعد الراقي من معاني الكبرياء، والكرَم، والشجاعة، والإيثار، فكانت السمكة في العديد من اللوحات تعبيراً عن السخاء، والحصان عن الجود، والفراشة عن التألّق والفرَح، والأسد عن الشجاعة، والطير عن الحرية والعطاء، وما إلى إلى هنالك من معانٍ وفيرةٍ تضمّنتها أعماله.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]