سجى مرتضى

صحافية لبنانيّة

كرة ميلاد حمراء في يد طفل فقير

كيف يحلّ ميلاد الشجرة والزينة والهدايا وعشاء ديك الحبش والنبيذ الفاخر، على أصحاب وجبة فتات الخبز أو بقايا طعام الآخرين؟، كيف يمرّ ميلاد عطلات السفر الطويلة بين باريس وبراغ وفيينا، على من يشخصون ببصرهم يومياً من شبه نافذة إلى السماء لمراقبة الطائرات الصاعدة والهابطة على أحلامهم؟.

كنت في سيارة الأجرة، وكانت بيروت شاحبة اللون تصارع الرياح التي هبّت قاسية هذا الشتاء، لتعيق ابراز بريق زينة الأعياد التي تلتحف بعض الشوارع. أعترف أنني لا أحب بيروت إلا خلال هذه الفترة من العام، فبالرغم من غرق الطرقات بالمياه، وأزمة السير الخانقة، وتضرر العديد من منازل الفقراء، إلا أنّ لبيروت سحر شديد التحكم بالقلب خلال الشتاء، سحر لا يعرفه إلا من مشى في شوارعها تحت المطر، وتبللت روحه ولم تتبلل ملابسه.

أحيان كثيرة، تعيقني ثرثرات سائق التاكسي عن النظر بتمعن إلى الشوارع وناسها، بالرغم من أنّ مراقبة تفاصيل وجوه الناس، تعابيرهم وصراخهم، ضحكاتهم ودموعهم، وحتى تجاعيد وجوههم، من هواياتي منذ الطفولة، منذ كنت أستقل باص المدرسة يومياً لسنوات طويلة، وأراقب من شباك مقعدي الباعة المتجولين، المحال التجارية، اعلانات الطرقات، طفل ينظف أحذية رجال البدلات الأنيقة، بائعات الورد اللواتي أخفى الحزن جمالهنّ، والمتسولين.

"لقد علمني الطريق المؤدي إلى المدرسة، أكثر مما علمتني المدرسة"، عبارة لأديب ألماني، قرأتها بعد تخرجي من المدرسة بسنوات، وكانت التوصيف الأبسط والملخص لتلك المرحلة الحاسمة من حياتنا على هذا الكوكب. نعم، علمتني الطريق إلى المدرسة، أكثر مما علمتني المدرسة، وبعدها علمتني الطرقات التي سرت عليها لأصوّر الناس وأتحدث معهم وأعايش مآساتهم خلال عملي كصحفية، أكثر مما فعلت المدرسة والجامعة ومكتب العمل والزملاء وحقيبة السفر.

يومها كان المطر يتساقط، والهواء البارد ينبىء كل من يسير في الطرقات بالمرض، وكنت أجلس في المقعد الخلفي من سيارة الأجرة، والسائق يحدثني عن أزمة السير الخانقة، وأنا أراقب الطريق بتركيز شديد، لدرجة أنني لم أسمع من حديثه الطويل إلا الشتائم لحدتها. وقفت السيارة ملتزمة اشارة السير، ليقع نظري على صبيّ صغير يتسوّل من السيارات المتوقفة، مد يدّه إلى داخل سيارة فخمة تقودها امرأة طالباً المال، خرجت اليد وهي تحمل كرة حمراء صغيرة لزينة شجرة ميلاد.

نظر الصبيّ إلى الكرة التي في يده بتمعن لثوان قليلة، لم يتسع لي الوقت لالتقاط صورة ليده ووجه، ولا لتقدير موقفه من ما أعطي له، فرح؟ حزن؟ أم دهشة؟. أضاءت إشارة السير وانطلق السائق مسرعاً، ولا زال الصبيّ واقفاً يتأمل كرته الحمراء، بدل الـ1000 ليرة لبنانية التي كانت ستكون من نصيبه، ربما لو لم تكن صاحبة السيارة التي طلب منها المال قد تسوقت لزينة ميلاد منزلها قبل دقائق.

ماذا فعل الصبيّ إذاً بالكرة الحمراء؟، قد يكون رماها أرضاً ومشى، أو لعب بها، أو وضعها في جيبه ليأخذها معه حين يعود إلى منزله ليلاً، ليعطيها لأهله بديلاً من "غلّة" اليوم المنتظرة، أو قد يكون قد مرّ بجانب إحدى أشجار بيروت المزينة ترقباً للميلاد، وأكمل زينتها واضعاً كرته الصغيرة الحمراء بين الكرات الكثيرة. أو ببساطة، قد يكون الصبيّ قد وضع الكرة بجانب مخدته الممزقة ليلاً، بانتظار أن يستبدلها بابا نويل خلال نومه بمنزل دافىء وحقيبة مدرسية مليئة بالكتب.

كيف يحتفل الفقراء بالعيد؟، سؤال لطالما راودني. كيف يحلّ الميلاد على المنازل الباردة المتشققة جدرانها، التي تنهمر فيها زخات المطر كما تنهمر على الشوارع والسيارات؟، كيف يحلّ ميلاد الشجرة والزينة والهدايا وعشاء ديك الحبش والنبيذ الفاخر، على أصحاب وجبة فتات الخبز أو بقايا طعام الآخرين؟، كيف يمرّ ميلاد عطلات السفر الطويلة بين باريس وبراغ وفيينا، على من يشخصون ببصرهم يومياً من شبه نافذة إلى السماء لمراقبة الطائرات الصاعدة والهابطة على أحلامهم؟، كيف يحلّ ميلاد المفرقعات النارية على أبناء الخيم المنبهرة عيونهم بأفراح غيرهم؟.

جميعنا ننهي عامنا بالأحلام والأمنيات، نبني للعام المقبل الكثير من الخطط والمشاريع. نستمع لأبراجنا، نحدد أولوياتنا، نحتفل إلى حين أن تدق الساعة 12 بعد منتصف الليل، ونغرق بعدها في فراشنا بدفء. لكن من يلقي الدفء على قلوب وأجساد الفقراء واللاجئين في ليلة الميلاد وليلة العام الجديد؟ كيف ينامون بحزن وصراخ الناس يعلو بالإحتفال؟

هذا العالم الذي يصرف المليارات سنوياً على المفرقعات وزينة الميلاد واحتفالات رأس السنة، ضاقت به أحلام الفقراء برغيف خبز وهدية صغيرة، هذا العالم كما قال عنه غسان كنفاني: "يسحق العدل بحقارة كل يوم". هذا العالم الذي يعلمنا أن في شوارعه حكايا مؤلمة تحكي عنه أكثر مما تفعل الكتب والروايات، يسحق تلك الكرة الحمراء بيد طفل بيروت المتسوّل بحقارة كل يوم.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]