عبد الله بن عمارة

كاتب من الجزائر

مدفع بابا مرزوق ... حكاية مقاومة!

ما هي قصة مدفع بابا مرزوق؟

من المواضيع الشائكة التي يتم استحضارها عند الحديث عن العلاقات الفرنسية الجزائرية - بالإضافة إلى استرجاع جماجم قادة المقاومة في القرن التاسع عشر وأرشيف الثورة - هي استرجاع المدفع الجزائري المعروف ببابا مرزوق، المنصوب حالياً في "برست" في أقصى شمال غرب فرنسا، فما قصّة هذا المدفع حتى يستحقّ كل هذا الاهتمام، ويكتسي هذه الرّمزية؟


"جزائر المغازي" والصراع مع القوى الأوروبية

بعد سقوط امبراطورية المُوحِّدين التي ضمّت في أوج قُوًّتها كل بلاد المغرب والأندلس، تقاسمت سُلالات بني حفص وبني عبد الواحد وبني مرين البربرية، إرثها في المغارب الثلاث، الأدنى والأوسط والأقصى، وبدأت أهم مدن الأندلس تسقط الواحدة تلو الأخرى في يد القوى المسيحية في ما عُرف ب"حروب الاسترداد"، وُصولاً إلى سقوط غرناطة، آخر إمارة إسلامية هناك في 1492م.

لم تكتف القوى الإيبيرية الصّاعدة، التي شكّلت الأمّة الإسبانية، بحملات الطرد والاضطهاد بحق الأندلسيين المسلمين، بل لاحقتهم إلى المغرب واحتلت أو أخضعت مُدناً على طول سواحله (صخرة الجزائر، جيجل ، بِجَايَة ، تَنْس، المرسى الكبير، وهران، سَبْتَة ،مْلِيلْية...الخ)، وفي سياقٍ اتّسم بعجز السلالات الحاكمة في المنطقة عن الوقوف في وجه الاعتداءات الإسبانية، ظهرت "قُوىً بحرية فتيّة" بقيادة الأخوة بربروس، استطاعت أن تفرض نفسها على الساحة في غرب المتوسّط، وأن تُعطِّل مشاريع التوسّع الإسبانية بتحرير الثغور المغربية المحتلة، وبدفع الحملات "الصليبية" المتكرّرة وتوحيد المغرب الأوسط تحت راية حُكمٍ مركزيٍ جعل من مدينة الجزائر عاصمة له.

وقد استفادت في ذلك من الدعم العثماني فتحوَّل الكيان الجديد "إيالة الجزائر" إلى قوّةٍ صاعدةٍ تحدّت النفوذ البحري الأوروبي، خصوصاً الإسباني وكسرت احتكاره للتجارة في غرب المتوسّط، وأحبطت طموحاته الامبراطورية في شمال إفريقيا، مارس الأسطول الجزائري القرصنة (الجهاد البحري في الأدبيات التاريخية الجزائرية) وحوّلها إلى نمط إنتاج ٍ مُميز واستفاد منها بنجاعةٍ لتوطيد أركان الدولة الفتية، وكان على الجزائر أن تستعدّ لصدِّ الحملات الانتقامية التي كانت تقودها الدول الأوروبية مجتمعة أو منفردة (فرنسا ،إسبانيا ،إنكلترا ،هولندا، الدانمارك وغيرها)، أصبحت الجزائر حسب المؤرّخين المسلمين والأوروبيين في هذه الفترة "الجمهورية الرهيبة" أو "جزائر المغازي".

للدفاع عن عاصمتهم، صمّم الجزائريون نظاماً دفاعياً مُعقّداً، مُستفيدين من الموقع الجغرافي المُحَصَّن لمدينة الجزائر، يكتب عنها الجغرافي الفرنسي ريني ليسبيس:"إن أسطولاً في مرفأ الجزائر في وضعية مُلائمة، تُمَكِّنُه من مراقبة واعتراض الطرق المباشرة، من جبل طارق إلى شرق المتوسّط، ومن جنوب إسبانيا إلى إيطاليا وصقلية".

يشرح  المؤرّخ الجزائري المُتخصّص في تاريخ الجزائر العثمانية مولاي بَلْحَمِيسِي تفاصيل النظام الدفاعي الجزائري، في كتابه القيِّم "بحرية وبَحّارة الجزائر 1518-1830" (وهو رسالة دكتوراه قدّمها في فرنسا سنة 1986) المُتمثلة أساساً في حفر المتاريس والخنادق حول المدينة لعرقلة عمليات الإنزال المُتَوَقَّعة للأساطيل المهاجمة وتعريضها لنيران المدافعين، تمّ توسيع حفرها لتمتد في حدود سنة 1778 من باب عَزُّون وصولاً إلى وادي الحرَّاش.

كما كتب المستشرق الفرنسي جان ميشال فانتور دي بارادي في هذا الصدَد ،في كتابه "الجزائر في القرن 18 م" أن كل أبناء المدينة بمختلف حِرَفِهِم كانوا يتوجّهون لأشغال الحفر بالدَّوْر لمدة يومٍ كامل"، بالإضافة إلى مساهمة الأسرى الأوروبيين الذين يتم اقتيادهم إلى البلاد بعد كل "غزوةٍ بحرية"، كما يُسجِّل لنا العديد من المؤرّخين والرّحالة عن طبيعة تلك التحصينات في القرنين  16 و17 م، مثل ليون الإفريقي والأب كوملان، كما عَمَدُوا لبناء القلاع والأبراج في كل نواحي المدينة، وجهّزوها بمدفعيةٍ كُفْوءة (برج الكيفان، برج تَمَنْفُوسْت، برج باب عزُّون ...الخ).

بالإضافة إلى "القَصَبَة"، وهي المدينة القديمة المُحَصَّنة التي تم تشييدها على المرتفعات لِتُشَكِّل عوائق أمام الهجمات البرية، والتي تُطِّل بدورها على الميناء المُجهّز بأبراج ومدفعية للدفاع عنه، لقد حوّل الجزائريون من خلال هذا النظام الدفاعي مدينتهم على مرِّ السِّنِين، من مرفأٍ صغيرٍ في المتوسّط، إلى قلعةٍ مُحَصَّنةٍ كسرت الطموحات التوسعية للممالك الأوروبية، يكتب المؤرّخ الإسباني دييغو دي هايدو الذي لاحظ مجهودات حكّام البلاد في تحصين بلادهم واصفاً مدينة الجزائر في القرن 16م :"...الجزائر هي الأكثر أهمية وشهرة ليس فقط في بلاد البربر (المغرب) وإنما في كل المدن الخاضعة للنفوذ العثماني في المشرق والمغرب".


مدفع بابا مرزوق

رسم متخيل لاعدام القنصل الفرنسي في مدفع بابا مرزوق 2
رسم متخيل لاعدام القنصل الفرنسي في مدفع بابا مرزوق 2

في كتاب آخر لمولاي بَلْحْمِيسِي، خَصَّصَه للتجربة الجزائرية في التصنيع العسكري في هذه الفترة وهو "الجزائر ذات الألف مدفع"، يشرح كيف أن حكّام الجزائر أدركوا أهمية امتلاك المدفعية لصدِّ حملات أعدائهم الأوروبيين المتكرّرة، ولم يكن امتلاكها يعني فقط اقتناءها أو غنمها من سفن الأعداء، وإنما تصنيعها.

هكذا تأسّست "دار النّحاس" كمصنع عسكري في منطقة باب الواد لصناعة كل ما تحتاجه البلاد للقتال: مسدسات، بنادق، مدافع، ذخيرة، وصولاً إلى السفن، قرّر البَايْلَرْبَايْ حسن آغا، وهو سرديني الأصل اعتنق الإسلام، والذي خلف خير الدين بربروس في حُكم الجزائر (البَايْلَرْبَايْ هولقب الحاكم المركزي للجزائر لمرحلةٍ معينةٍ من تاريخ البلاد تلاها لقب الباشا ثم الآغا، وأخيرا الدّاي) سنة 1542، صناعة مدفع نوعي بمادة البرونز، اقترب طوله من السبعة أمتار، وتعدّى مداه الأربعة آلاف وثمانمائة متر، بالاعتماد على خبرة مختصٍّ من البندقية ،(وقد اعتمد من جاء بعد حسن آغا أيضاً على خبرات أجانب مثل دوبون وإبنه).

لقد شكّل هذا المدفع إضافة نوعية للنظام الدفاعي الجزائري نظراً لمداه كما لقوّته التدميرية، إلا أن ما يُمَيِّزه، هو ارتباطه في ذاكرة الفرنسيين بحادثة إعدام مجموعة من "الدبلوماسيين" الفرنسيين وعلى رأسهم القنصل الفرنسي في البلاد الأب لافاشي، بقذفهم من فوهة المدفع سنة 1683 ردّاً على قصف أسطول الملك الفرنسي لويس الرابع عشر للجزائر، وقد استُعمل المدفع في إعدام قنصل فرنسي آخر، هو أندري بيول بعد ذلك بخمس سنوات، ردّاً على حملةٍ مماثلةٍ على المدينة.

وكان الجزائريون قد أفشلوا قبل ذلك بأكثر من عقدين (24 سنة)، حملة كبيرة للملك الفرنسي نفسه، مدعوماً بفرسان مالطا وقوات إنكليزية لغزو مدينة جيجل في شرق البلاد بهدف إقامة قاعدة بحرية دائمة فيها.

قرّر الفرنسيون عقب نجاح حملتهم بقيادة دي بورمون في احتلال الجزائر سنة 1830، نقل المدفع الذي أطلقوا عليه إسم "القنصلي" تخليداً لذكرى إعدام قناصلهم، ليتمّ نصبه بعد ذلك بثلاث سنوات في مدينة بريست، بعد أن وضعوا فوقه تمثالاً لديكٍ فرنسي، في إشارة لا تخلو من الرّمزية، أرادوا بها ترسيخ انتصار الأمّة الفرنسية، على "الجمهورية الرهيبة" بعد صراعٍ طويل.

بعد حربٍ تحريريةٍ عنيفةٍ، حصّل الجزائريون استقلالهم، ولم يتوقفوا، رسمياً، عن المطالبة باسترجاع مدفعهم الذي يشهد على قصة المقاومة التي خاضها أسلافهم لأكثر من ثلاث قرون، والتي حالت دون أن تتحوّل بلادهم، بالمعنى الحرفي للكلمة، إلى أندلسٍ أخرى.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]