مالك الواسطي

شاعر وكاتب عراقي مقيم في إيطاليا

أسفار العاشق

هذا العراق بنا يجول، كالماء رقّ بحسنه زمناً وعانقه الذّبول.

لوحة لخليل المدلل
لوحة لخليل المدلل

بَكَتِ القَبَائِلُ حِيْنَ طَافَ خِيَامَهَا

وَطَنٌ يُهَرْوِلُ في المَزَارِعِ وَالحُقُولْ

وَتَعَثَّرَتْ في خَطْوِهَا الأَيَّامُ

وَهْيَ تَجُرُّ في نَكَدٍ تَوَارِيْخَ الذُّبُولْ

وَعَلى تُخُوْمِ اللَّيْلِ، يَحْتَطِبُ الهَوَى

وَيَبَاتُ بَيْنَ جَوَانِحِي أَمَلٌ خَجُولْ

طِفْلٌ يُحَاصِرُ ظِلَّهُ

يَحْبُو عَلى أَرْضٍ

تَطُوْفُ بِهَا الكَهَانَةُ وَالطَّوَائِفُ وَالسُّيُولْ

يَا نَفْسُ...كَمْ مِنْ مَرَّةٍ

سَكَنَتْ أَغَانِيْنَا الكَآبَه

وَصَحَوْتُ في أُفُقٍ تَلَبَّدَ في مَخَارِجِهِ

وَأَسْكَنَنِي الغَرَابَه

وَبَكَى عَلَيْنَا الطَّيْرُ في غَنَجٍ

فَأَخْفَيْنَا المَحَبَّةَ في مَدَامِعِنَا سُحَابَه

وَهَوَى يَفِيْضُ بِحُسْنِهِ

رَبٌّ تَعَثَّرَ في خَلَائِقِهِ وَأَوْغَلَ في غِيَابَه

يَا نَفْسُ ... مَا أَشْقَى المَكَانْ

فَالأَرْضُ كَاهِنَةٌ وَمَقْبَرَةٌ تَضُجُّ وَمَهْرَجَانْ

في أَيِّ مُعْتَرَكٍ أَرَاكَ، اللَّيْلُ يُطْفِئُ ضَوْءَ أَنْجُمِهِ        

وَيَغْفُو في يَدَيْكَ وَأَنْتَ خَلْفَ البَابِ تَصْغِي            

لِلَّذِي يِأْتِي وَمَا مِنْ طَارِقٍ غَيْرِي

تَقُوْلُ الرَّيْحُ: ذَا مُوْسَى يَشِقُّ البَحْرَ يَبْنِي هَوْدَجاً لِلعَاشِقِيْنَ وَأَنْتَ خَلْفَ البَابِ تَصْغِي وَالرِّيَاحُ         

تَغُوْرُ في جَسَدِ الرِّمَادِ وَتَشْتَهِيْكَ وِسَادَةً وَيَمُوْجُ فِيْهَا اللَّيْلُ،

تَحْفُرُ في الغِيَابِ مَسَالِكاً

وَطَناً تَبَعْثَرَ في يِدَيْكَ كَمَا البُكَاءِ

فَمَا الَّذِي يَدْعُوْكَ أَنْ تَبْكِي

وَمَازَالَ النَّهَارُ عَلى عُيُونِكَ نُطْفَةً

في رَحْمِ كَاهِنَةٍ تَثَاقَلَ خَطْوهَا ...

مَا أَجْمَلَ التَّكْوِيْنَ في بَدْءِ الخَلِيْقَةِ

حَيْثُ أَنْتَ

أَرَاكَ كَالمِرْآةِ تَنْظُرُ في ثَنَايَاهُ النَّهَار...!

 

... جَفَلَتْ قَبَائِلُ كِنْدَةَ المُتَقَاتِلَه

وَتَكَسَّرَتْ كَالظِّلِ في كُثَبِ الجِبَالِ خِيَامُهُمْ

وَاِنْصَبَّ في عَجَلٍ على أَحْفَادِهِمْ

مُرُّ السُّؤَالْ:

لِمَنِ البَقَاءِ؟ لِمَنْ تَسُرُّ العَاقِبَة؟

فَالرَّمْلُ تَارِيْخٌ تَنَاثَرَ في الهَبَاءْ

وَالأَرْضُ كُلُّ الأَرْضِ

كَاهِنَةٌ تَسُوْقُ نِعَاجِهَا نَحْوَ الزَّرِيْبَةِ

كَالنُّجُومِ تَطُوْفُ أَوْ تَعْوِي

فَتَشْتَعِلُ السَّمَاءْ.

... في أَوَّلِ التَّكْوِيْنِ تَكْتَشِفُ المَحَاسِنُ عِطْرَهَا فَتَفِيْضُ مِثْلَ قِلَادَةٍ تَرْمِي بِهَا رِيْحُ الشِّمَالِ على المَزَارِعِ وَالحُقُولِ، تَدِقُّ بَابِي وَالنَّهَارُ يَظِلُّ يَصْغِي كَالظِّلَالِ لِخَطْوِهَا سَنَةً عَلى سَنَةٍ لَعَلَّ العَاشِقِيْنَ كَمَا الضُّحَى يَتَذَكَّرُوْنَ ثِيَابَهَمْ غَبَشَ الصَّبَاحِ مَسَالِكًا كَانَتْ لَهَمْ في الظِّلِّ نَحْوَ المُنْتَهَى، وَالمُنْتَهَى

ظِلُّ يَبَاتُ عَلى خُطَاهُ وَيَسْجِدُ

وَطَنٌ يُغَادِرُهُ المَكَانُ فَيُسْعَدُ

رِيْحٌ تَلِفُّ بِهَا الظَّهِيْرَةُ

إِذْ تَقُولْ:

الأَرْضُ كَاهِنَةٌ تَجُرُّ بِهَا الوُعُولْ

تَسْقِي الفَجِيْعَةُ وَجْهَ عَاشِقِهَا

وَيَسْكُنُهَا الذُّبُولْ

يَا نَفْسُ ... هَا أَنَا ذَا

أَبَاتُ عَلى النَّقِيْضِ مِنَ الحَجَرْ

وَأَشُمُّ رَيْحَانَ الصَّبَاحِ – رَيَّا القُرُنْفُلِ

وَهْوَ يَرْفُو لِلنَّهَارِ ثِيَابَهُ

وَأَشُمُّ تَكْوِيني وَأَسْكُنُ في الأَثَرْ

وَأَعِدُّ لِلزَّمَنِ المُعَلَّقِ في العُيُونِ

سَرِيْرَهُ

لِيَنَامَ بِيْنَ جَوَانِحِي نُزُلاً

تَنَاهَا في مَرَابِعِها القَمَرْ

يَا نَفْسُ ... مَا جَفَلَ القَدَرْ

جَفَلَتْ قَبَائِلُنَا

وَغَابَتْ رِيْحُهَا في الرَّمْلِ في خُوْصِ النَّخِيْلِ

وَبَيْنَ زَخَّاتِ المَطَرْ.

سَجَدَ النَّهَارُ لِظِلِّهِ

يَا رَبُّ

هَلْ سَجَدَ النَّهَارُ عَلى الأَثَرْ؟

 

... يَا نَفْسُ قَدْ

بَكَتِ القَبَائِلُ حَيْنَ غَاضَ رِجَالَهَا

وَطَنٌ تَمَدَّدَ في المَزَارِعِ وَالحُقُولْ

وَتَعَثَّرُوا كَالخَيْلِ

يَوْمَ تَعَثَّرَ الزَّمَنُ الخَجُولْ

يَا نَفْسُ عُودِي وَاِسْكُنِي نَبْعاً يَفِيْضُ بِهِ البَهَاءْ

وَتَجَمَّلِي في الخَطْوِ ... تِلْكَ السَّجْدَةُ الأُوْلى

وَكُونِي في تَأَمُّلِكِ نِهَايَاتِ الضِّيَاءْ

فَاللَّيْلُ قَدْ سَكَنَ العِرَاقْ

وَطَافَ في أَرْجَائِهِ دَمْعٌ مُرَاقْ

هَذا العِرَاقُ بِنَا يَجُولْ

كَالمَاءِ رَقَّ بِحُسْنِهِ زَمَناً وَعَانَقَهُ الذُّبُولْ

فَتَشَهَّدَتْ رُوْحِي عَلَيْهِ

وَغَارَ مِنْهَا الصُّبْحُ دَهْرًا وَالفُصُولْ

وَاِنْدَاحَتِ الأَرْضُ اِنْدِيَاحَ

وَغَادَرَتْنِي في ضُحَى الأَيَّامِ أَنْجمُهُ وَحَلَّ بِيَ الحُلُولْ

فَرَأَيْتُ في المِرْآةِ

خَطْواً لي يُسَابِقُنِي وَيَسْكُنُ في الذُّهُولْ

طُفْتُ وَطَافَ بي الفُرَاتْ

فَتَدَاعَتِ الدُّنْيَا المَسَرَّةُ بِيْنَ خَطْوٍ

ظَلَّ في المِرْآةِ يَسْكُنُ في الشَّتَاتْ.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]