جوان تتر

كاتب من سوريا

"تَيلي إبنةُ ميرز آغا": حكايةُ الشغف الكُرديِّ غناءً

هذه الأغنية تكاد تكون أقرب إلى ملاحم وقصص حبّ وفروسيّة وأمراء.

تتعدّدُ الأشكالُ التعبيريَّة الموسيقيَّة والأدبيَّة، لا سيما وأن الفنون تتطوّر لتؤثر بذلك على بعضها الآخر، هذه التعدديَّة تُضفي البذخ الأكبر على الفنون برمّتها، ذلك أيضاً حال الأغنية الكرديّة القديمة، الـ (ده نك بيجي)، أو الأغنية الشفاهيَّة التي يردّدها القوَّالُ الشعبيّ. هذه الأغنية التي أثّرت على تطور الشعر والنثر الكردييَّن بشكلٍ كبير، ولا تزال المئات من النماذج تغنّى في معظم المناطق الكرديَّة وبمختلف الطرق والأساليب وتغيير الكلام المرافق، كما وأنّها تعتبر أغلب الأحيان مرجعاً لغويَّاً كرديَّاً للمرادفات .

لعبت هذه الأغنية دوراً أساسيَّاً في رسم خارطة الكتابة في مختلف الفنون التدوينيَّة، وتكادُ تكون أقرب إلى ملاحمَ وقصص حبّ وفروسيَّة وأمراء أو (آغاوات)، مثلها مثل ما فعل شكسبير ودوّن في "هاملت" وغيرها، بحيثُ من الصعوبةِ بمكان الإحاطة بتأثيرات هذه الأغنية على بقيّة الفنون ضمن مقالٍ صحفي واحد .لكن ربمّا نفلح إن أشرنا إلى ما قاله الروائيّ الكردي الأبرز "محمّد أوزون" :الـ DengBej هو القائلُ الأسمى والشّارح الأوفى تماماً مثلَه في الكرديَّة، كمثل هوميروس الرّاوي -في الحكي الشفاهي الأول-، ضمن الأدب المكتوب في الإغريقية، الـDengBej  هو واهب الحياة للصوت، وهو الصّائت الذي يحوّل الصوت إلى كلام، والكلام إلى معنى –بامتدادٍ صوتي".


القوّال الشعبي (ده نك بيجي)

 Dengbêj أو القوّال الشعبي، مصطلح يُطلق على راوي الأحداث بطريقةٍ شعريَّة-غنائيَّة، والصوتُ: "deng" ها هنا، يأتي بمثابة الإخبار عن حادثةٍ ما وليس بمعنى الإحساس أو الغناء في اللغة الكرديَّة.

 كان القوّالون الشعبيّون الكرد يشتهرون بكثرة الترحال بحثاً عن قصص الحب وملاحمَ البطولَةِ لأدائها بمسحةٍ صوتيَّةٍ مقدّسة، ويمكن تقسيم القوّال الشعبي إلى قسمين: قسمٌ يختصّ بسرد القصص، وآخر يقرأ القصائد الشعريَّة بطريقةٍ غنائيَّة. ثمّة أغانٍ شعبيَّة قديمة كانت لها مكانتها لدى الكرد منذ قديم الأزمان وحتّى وقتنا الرّاهن، وعلى وجهِ الخصوص لدى الطاعنين في السنّ، غير أنّه، وفي العصر الحديث، طوِّرت وحُدِّثت إثر التطوّر التكنولوجي للموسيقى، لتبقى أقرب إلى أسماع الأجيال الجديدة.


حكاية "تيلي إبنة ميرز آغا"

تختلفُ قصص الأغاني وتتأرجح ما بين المونولوج بين المحبوب والحبيبة، وما بين زعيم عشيرة وعشيرة أخرى، إضافةً إلى الأمور الوجدانيَّة المختلفة ضمن الحياة الكرديَّة القديمة. سابقاً عَمَد المستشرقونَ الأُوَل إلى فَهْم الأغنية التراثيَّة واللهجات المختلفة الكردية بادئ ذي بدء وقبل أيّ تكوينٍ ثقافيّ آخر لفَهْم الحقيقة الحياتيَّة الكرديَّة، فمن المعروف أن الملاحم والأساطير تعدُّ الأساس البنيوي لفَهْم أيّ مجتمعٍ كان، مهما بدت صعبةً )أي تلك الملاحم) غير أنّها تعطي المعنى الأوسع لحياةٍ ممتدّة حتّى راهننا، عن الموت، التصوّف، الحبّ، الشرّ والخير، الحروب.. إلخ.

هنا تأتي حكاية (تيلي إبنةُ ميرز آغا) لتكشف لنا العديد من العناصر الموجودة في الأغنية الشفاهيَّة الكرديَّة، بدايةً من التصوّف وانتهاءً بمفردات العشق والهيام المؤثِّرة والفشل في الوصول إلى قلب المحبوبة إمّا بفعل الموت أو الغدر أو رفض الأهل والمجتمع .لا شكّ أنَّ الترجمة تفعل فعلتها في تغيير النبرةِ الكلاميَّة الأصليَّة تغييراً قويَّاً، غير أنَّه ما من مجالٍ آخرَ للتعرّف على هذه الثقافة الغنيَّة سوى الترجمة، وإن كان ببعض التصرّف واختيار المقاطع، لا سيّما وأنّ أية أغنية كردية شفاهيَّة و- طالما أنَّها شفاهيَّة - فهي عرضةٌ للتحوير والتبديل )المستحبَّ) وفقَ المناطق الجغرافيَّة الكردية التي تؤدّى فيها تلك الأغنية سواءَ في تركيا أو سوريا أو العراق أو إيران.

هنا مقاطعُ مُنتخَبَة من أغنية (تيلي)، والتي غنّت من قبل أكثر من مغنٍ تراثي كردي قديم، لكنّها اشتهرت بصوت المغني (حسين فاري):

الأغنية:

تيلي.. تيلي.. تيلي.. تيلي

سوف استيقظ من النوم وأقول: تيلي

أثناء اليومِ أقولُ: تيلي

في المساء، في الساعات، في الدقائق والثواني ... من حزن وهمِّ قلبي سوف أنادي: تيلي

أنهضُ وأقولُ: تيلي...

لا ... لا والله، سأقول تيلي إلى أن تكون رغوة الصابون في عيني، آن غسلي وأنا الميّت

إلى أن أسمع صوت تمزيق الكفنِ على صدري ... سأقولُ: تيلي

إلى أن يكون عند ذراعي، على مقربةٍ من رأسي زوجُ حجرِ الشواهد، سأقولُ: تيلي..

إلى أن يقف على صدري ملائكةُ الحساب

وحين يستنطقاني سؤال القبر

يقينكم من الله

لن أردّ عليهما...

 سأدير ظهري، وأقولُ مرَّةً أخرى: تيلي... تيلي...

**

لكنني قلتُ: أنتِ ناعمة، شقراء، بيضاء، خالصةٌ، كحلاءُ مخلصة 

لا عهودَ ولا إمضاءات أمام إسمكِ...

قَدِمتُ هذا الصباح إلى بيت أبيكِ

لا أعلم لِمَ يخف الصورةَ الحمراءَ عني؟

لديك سبعة إخوة ... لديَّ سبعُ أخوات

 سوف أبدِّلهنّ بعينيكِ السوداوين

تيلي... تيلي... تيلي...

أيّتها الظالمة

قلتُ :يا تيلي... يا عالية القامة

فليسقط في جهات العالم الأربع سبعونَ بلاءً على الزواج بعد العشق

مهما زادت ثروة أبي، وأودعتها في مصارف تركية، لا أعلم لِمَ لا يكفي مهر والدكِ؟

هذه السنة، قبل أعوامٍ سبعة

أخذت قبلةً وحيدةً من تيلي

هذه السنة، أتممتُ أعواماً سبعة وأنا أهيم على وجهي في هذه الحياة

أتوضأ أثناء اليومِ خمس مرات،

 أُصلّي، أغسل فمي بالصابون، بالفرشاة،

 أحاولُ، لكن مذاقُ قبلةِ تيلي لا يبرحُ يغادرُ تحت أسناني الخلفيَّة...

**

قلتُ أيها الخالق، أيَّها الربّ

صباحاً ذهبتُ ضيفاً إلى منزل تيلي

كانَ صباح حينَ ذهبت إلى منزل تيلي ضيفاً

 محنيَّ الظهرِ أصغيتُ من وراء الثقوب والأقمشة

أصغيتُ بقلبي وذهني

تيلي إبنة ميرز آغا، تضع يدها الناعمة... الطازجة على رأس عجوزٍ سبعيني، ثمانينيّ..

أبصرتُ نجوم عيني وهي تتهاوى مثل الأنهار والينابيع

قلت أيّها الخالق، أيُّها الربّ: هل الموتُ أفضل لي من هذه الحال؟

**

بلبلٌ من السماءِ السابعةِ في الأعالي، أبصرتهُ يحطُّ على ركبتي متحدِّثاً إليّ: بالتركية، بالكرمانجية، بالزازاكية والرومانيَّة، بأربعٍ وأربعين لهجة: ما غايتكَ ومُرادك؟

قلتُ: مقصد ومراد قلبي هو تيلي

قال: لا، سأقسم باسمِ الربّ لك، مرادك مع تيلي لن يتحقّق في هذه الدنيا

لا لا... أقسمِ باسم الربّ الأعلى أنّني النادم

مرةً أخرى أحنيتُ ظهري مصغياً... بلُبّي وفؤادي

رأيتُ تيلي إبنة ميرز آغا وقد رفعت رأسها من على الوسادة

كانت تقول: أيها الفتى المحروم، أسودَ الوجه، الكذاب

فلتحترق مراتعُ "ينغول*" و"شرف دين*" المحروقة، عامٌ واثنا عشرَ شهراً بينابيعها وأنهارها.

**

لا لا ... كنا في سنينا السبعة.

أربعة عشر، خمسة عشر عاماً مضوا ونحن مترافقَان...

كنا نتسكّع ... فتياننا وفتياتنا...

لم يكُ الجرادُ قد أكل لسانك... لم يكُ الماءُ الأسود في عينكَ، وإصبعي لم تكُ في عينك...، حتّى لم تخبر رفاقك يوماً ما أنّك تحب "تيلي"، حينذاك كنتُ سأهبك يدي، وكنّا هربنا إلى مراتعنا العليا.

كنتَ ستصبحُ صاحب البيت

كنت سأصبحُ لكَ خادمةً

اليوم، لِمَ لا تسألُ عن حالي؟

أنا موضوعةٌ الآن في عباءة هذا الكهل

الموت مرةً كل يوم أفضل لي من هذا المآل.

**

تيلي...  تيلي...

أنا عاشق جمال تيلي

أتسكّع على وجه هذه الأرض

أحاولُ، لكن أفشل ... لا أستطيع الصبرَ ها هنا

ذهبت إلى الشام، حلب، حمص وحماة ... كركوك وكربلاء.

صعدتُ إلى مكّة المنوّرة حيثُ الحجرُ المقدّس، الأرضُ التي لا تقدّر بثمن

لا أعرف

لا أستطيعُ الصبر ها هنا

تضرّعت إلى جبل عَرَفة، مسكنُ الأملِ والدعاء.

**

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]