هيثم الغداف

كاتب من لبنان نال جائزة مجلة "العربي" الكويتية 2018 عن قصة "البيت العتيق"

الوادي المُقدّس

ابتسم وتوجّه إلى أولاده قائلاً: هنا الوادي المُقدّس !

كعادته في كلّ صباح، يمضي وسام إلى عمله باكراً في المدينة، فهو يقطن في الريف، على مقربة من الوادي المُقدّس حيث يفد الناس سنوياً في الأحد الأول من موسم الحصاد لتقديم القرابين إلى الطبيعة الأمّ ، ويحمل كل قادِم شجرة صغيرة  يزرعها بالقرب من ضفاف النهر ويُداوم على زيارتها في كل عام حتى يمضي.

 وسام، أنهى عمله باكراً، فاليوم السبت وغداً يوم حافل وعليه الاستعداد واختيار الشجر له  ولعائلته. في الصباح الباكر، قبل طلوع الشمس، ذهب وسام مع زوجته وولديه حاملين بعضاً من الطعام وأربع شجرات صنوبر ورفشاً ومعولاً. عند أطراف البلدة تقدّم هو المسير نزولاً على الدرب المُنحدر، تارة يطوي الشوك برجليه وأخرى يُحيّد الأغصان الشائِكة عن مسير العائلة أو يتّكئ على رفشه عند المُنحدرات الزلقة. لم تكن المسيرة سهلة لكنها كانت مُمتعة، تخللتها استراحة قصيرة تبادلوا فيها قصص الأولاد في المدرسة والسكن الجديد وغيرها من الدردشات.

عند الشروق وصلت الجموع إلى ضفاف النهر بالتوالي كل من مكان نزوله واستهل الكلام أحدهم مرحباً بالقادمين وخاصة بوسام وعائلته.

بدأ الناس عملهم إلا سيّدة أخذت ترقص وتدور حول شجرتها الستينية، هي "خريف" معلّمة الموسيقى في القرية، تقاعدت منذ زمنٍ وقد اختارت في ما مضى ألا ترتبط إلا بالموسيقى رغم حُسنها آنذاك ولم يبق لها من الماضي إلا شجرة الحور هذه. خريف تأتي في كل عام لتُعطي درساً في الموسيقى لشجرتها وتستمتع بصوت حفيف أوراقها وتمايل أغصانها لتعزف لها لحناً جديداً سُمّي "لحن خريف". أنهى الجميع طقوسهم وكذلك وسام وزوجته سعاد وأولادهما فادي  وعلاء، وقد حان وقت الظهيرة. فتوجّه الجميع إلى النهر، اغتسلوا وشربوا وجمعوا من أشجار الخرمة ثمارها وتقاسمها الجميع في الظلّ تحت الأشجار القديمة، حيث استلقوا قليلاً. كانت لحظات آثرة، فيها كثير من التأمّل بزرع الماضي وقطاف الحاضر وغرس المستقبل.

 ذهب وسام يسأل أحدهم عن جدّته لأمّه فهي من هذه القرية التي لم يزرها من قبل،  فإذا به يدلّه على مكان جلوسه، عاد مسرعاً إلى زوجته وأخبر أولاده بفرحٍ  عن جدّته التي أحبّها كثيراً في الصِغَر وعن زرعها الذي أثمر ها هنا. شعر بصوت جدّته بالريح تصفر في الأوراق  وبيديها عند الأغصان تتدلّى لتعطيه ثمرة قلبها حباً وشوقاً ومزيداً ، والجدّ كان حاضراً في الوجدان سنداً لهم عند جذعها المتين الراسِخ في أرض الجذور. ابتسم وتوجّه إلى أولاده قائلاً: هنا الوادي المُقدّس !

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]