نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

دينا ديوان تستعيد ذاكرتها خطوطاً وريشة

رسمت ديوان المدينة التي أحبّت بعدّة لوحات تحت عنوان واحد: "تطواف المدينة".

يطرح معرض "تجوال المدينة" (Wandering City) للفنانة دينا ديوان في غاليري جانين ربيز على الروشة في بيروت، إشكالية الانسلاخ، وتداعياته، وما ينجم عن فكرته من مظاهر.

أحياناً كثيرة، وبصورة تلقائية، يمتشق المرء قلماً وورقةً، ويبدأ بخربشات غير مقصودة. لا يعرف إنه يحاول إيجاد مُتنفّسٍ له في ظرفٍ معيّن، أو حال عابرة، لكنها حال قد تكون متكرّرة، عادية، روتينية في ما يمرّ به في ظروف حياته.

أحياناً، يفقد المرء عنصراً مؤثراً فيه، إنساناً، أو أشياء، فيحاول استدراك ذاته، وترميم  تداعيات الخسارة، واحتمالات أذىً مهما كان صغيراً ونسبياً، فيستنجد بعناصر تتوافر لديه لدرء الخسارة، وآثارها، ويحاول بتلقائية إعادة صوغها بالقلم على الورقة، أو بالريشة على الدفتر، أو لوحة كانفا، أو ما شابه.

أغلب هكذا حالات تتأتّى من الانسلاخ، الذي قد يكون عن البيئة، كالهجرة، أو عن شخص يحبه في الهجر والانفصال، أو عن تقليد، كزواج الفتاة، وانسلاخها عن منزلها العائلي. وفي كل هذه الحالات، وما يماثلها، هناك الكامِن من احتمالات الأذيّة، والضَرَر، والانزعاج،  فيحاول المرء تدارك ذاته، والاستعاضة بطريقةٍ ما مما تصله يداه، أو مما يمكن أن يلقاه إليه بالطريقة الأسرع.

استفاد خبراء العصر الحديث من هذه الظواهر، فوضعوا أسُس معالجات بالفنون، إن بالموسيقى، أو المسرح، أو الغناء، أو الرسم، وما شابه، للحالات العقلية، المُعرَّف عنها ب"النفسية"، ولا أحداً معفىً منها.

في الهجرة، ليس بالمستطاع العودة السريعة إلى البيئة التي يغادرها الإنسان، لكنه في تَوْقٍ، وشغفٍ، وانشدادٍ شبه قاتِل للعودة، وإعادة وَصْل المُنقطع الذي يشكّل له نوعاً من الإدمان، فيشعر بالاختناق إن لم يحقّقه، كما عندما يخرج السمك من مائه. يصارِع، يقاوِم، يحاول التأقلم، ومهما نجح، فبنسبة معيّنة، وليس بالمُطَلق، لذلك، يعود المهاجر بعد عقود من الزمن، يحمل ذاكرته بصفائها، ومن دون ما يحوِّر حقائق صوَرها، ويروح باحثاً عن عناصرها، أو ما تبقّى منها للارتواء.

دينا ديوان (1962)، فنانة لبنانية، فتحت عينيها في بيروت، وفيها عاشت صباها. كانت تجوب أحياء مدينتها على متن دراجة هوائية، وبداية لتستكشف أحياءها الواسعة، والمُترامية، وتكراراً لتتفاعل مع ما اعتادت عليه، لتصبح المدينة إدمانها، إلى أن هاجرت كالكثيرين هرباً من الأحداث القاتِلة التي اندلعت بوحشيّة في لبنان ابتداء من 1975.

أقامت ديوان، مؤخّراً، معرضها الفني تعيد به صوغ شغفها الطفولي بما خطّته يداها من أعمال فنية، مُنطلقة من اختصاصها الهندسي، فرسمت خطوطاً، ونقاطاً، وخرائط، كأنها تعود لتمتطي الدراجة، وتجوب مُجدّداً في ما أدمنته سابقاً من تجوال، تجول في عين المريسة، والزيتونة، والمنارة، والبرج، وباب إدريس، وسواها من أحياء.

جدارية "Journal 1975” تأريخ للأحداث والأمكنة، في خطوط ومربّعات مُتقاطِعة، بخط اليد، العريض والدقيق، وباللون عينه، الأزرق، لتجعل منه عملية توثيق غير مباشرة لحُقبة الطفولة والمُراهقة.

وعن دوافعها لرسم الأماكن والممرات قبل هجرتها قالت في مقابلة مع الميادين الثقافية  إن "المنطلق للمشهد هي يومياتي التي كتبت عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري سنة 1975، سنة انفجار الحرب الأهلية، وقطعة الفن الرئيسية "يوميات 1975" (Journal 1975)، هي تحجيم وتصغير لأجزاء من يوميّاتي التي تعكس بعض التجوال مع أصدقائي في بيروت في تلك السنوات. هذا التجوال جرى في مختلف أنحاء بيروت، على تماس مع طفولتي".

عاشت ديوان بين فرنسا وأميركا، ومارست شغفها المديني حيث حلّت، فكانت لوحات مثل حديقة الغروب، ونبات كاليفورنيا، ومشهد عظيم قبل أن تعود إلى بيروت مُستهلة لوحاتها ب"بيروت الرابع من تموز 1975"، وفيها تأريخ لرحيلها، وانطباع قسوته فيها، راسِمة لوحة أشبه بخريطة للطرق المؤدّية إلى المطار.

وتواصل رسم الأحياء المستمدة من ذاكرتها، جامعة بين التشكيل اللوني، والخطوط الهندسية التي لم تستطع الإفلات منها كتخصّصها الأساسي.

رسمت ديوان المدينة التي أحبّت بعدّة لوحات تحت عنوان واحد: "تطواف المدينة" (Wandering City).

منذ هجرتها، لم تتحمّل ديوان الانسلاخ، فزارت لبنان قائلة: "ليست المرة الأولى التي آتي بها إلى لبنان منذ هجرتي في الثالثة عشرة من عمري، وأنا سعيدة جداً أن آتي لأعيد الوَصْل مع طفولتي، وجذوري، وأصدقائي".

تتحدّى ديوان الانفصال الذي كان قسرياً، لكن تحدّي وَصْل ما انقطع ما برح واحداً من أهم همومها، لا تثنيها تغيّرات ولا تطوّرات، فالتغيّرات بنظرها، "تحدث دائماً في أيّ مكان في العالم، ولبنان سيظلّ دائماً وطني"، مؤكّدة من خلال تجربتها أنه "عميقاً في قلب كل مهاجر، هناك رغبة أن يعود يوماً ما"، تعبّر عن قناعتها تلك بقطعة من أعمالها بالنيون، وفيها، كما تقول: "إنني مسكونة بمنفاي"، وفي التحدّي، تُعيد كل شيء إلى وطنها وجذورها، فتسمّي اللوحة "أيُ هناك..هنا" (Elsewhere is Here)، إن باريس، أمْ كاليفورنيا، أمْ أية مدينة أخرى، هي بالنسبة لها، مدينتها الأمّ: بيروت.

"دهنت الكانفا، وثقبتها، وخدشتها، وطرّزتها، وأنا أستخدم قلماً دقيقاً لتثقيبها، ثم أحدّد نقاطاً على سطحها تتيح لي رسم خطوط، وخريطة، واسكتش تتراوح في الثقوب، والقوالب التي أسّست"، بهذه الكلمات تشرح تقنيتها الخاصة، وتقول: "تلك هي طريقتي لاستعادة المدينة".  

وتقول: "تدرّبت على الهندسة المدنية في فرنسا، والمجالات التي كنت فيها دائماً، ألهمت أعمالي، بالعودة إلى تاريخي الشخصي، الذي طالما تأثّر بأشكال المدن، حيث عشت وكبرت"، مُردِفة أن "هذه المرقعات لجولات مراهقتي في لبنان حفّزت إلهامي لمعرضي الراهِن  ب: إحدى عشرة خريطة لبيروت، وخريطة لصيدا، وخريطة لبحمدون.

استخدمت ديوان في أعمالها التقنيات، والمواد البسيطة من مائيات، وأكريليك، وتطريز، وfeutre على قماش.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]