خلف جابر

كاتب وصحافي من مصر

في مصر .. الكتب عن روح الأموات

هل سمعتم بأشخاص يهدون الكتب عن روح الأموات؟ إليكم قصة إسلام رمضان.

في مصر .. الكتب عن روح الأموات

يقف بين مئات الكتب، ينظر إليها تارة؛ ويعيد ترتيبها على الأرفف تارة أخرى. يجرد ما باعه في يومه، ويرصد ما يحتاجه غداً. ستجده كذلك دائماً؛ إذا ما حملتك قدماك إلى «مكتبة حيفا»، الكائنة بوسط البلد في القاهرة، للبحث عن كتاب ما.

قد تفاجأ به عند سؤالك عن ثمن الكتاب فيقول: "هذا الكتاب تحديداً ليس للبيع. هو هدية لك"؛ وإذا ما بدا عليك التعجّب؛ سرعان ما يطلب منك قراءة ما هو مدوّن على غلاف الكتاب بخط اليد.

"إذا كان الموت ينسف الوقت؛ هل لنا أن نصف الوقت أنه ضحيته؟.. أيها الموت! أيها الوقت الصعب!.. إلى روح "سلمى فرج" نسألكم الفاتحة". تلك الكلمات كتبها إسلام رمضان، صاحب ومدير مكتبة «حيفا» بخط يده على أغلفة بعض الكتب الموجودة بمكتبته.

قد تجد تلك الكلمات على غلاف إمساكية، فبفضل آية الكرسي والتسابيح، يسعى المرء إلى أن يصل الثواب إلى فقيده، "رحمة ونور" كما يسمّونها العامة، لكن أن تجد ذلك على غلاف رواية أو ديوان شعر؛ وربما كتاب يضمّ مجموعة من الدراسات النقدية؛ ففي ذلك عجب.

بدأت قصة إسلام كما جاء في حديثه إلى الميادين الثقافية مع موت صديقته بسقوطها من شرفة منزلها، في حادث غامض؛ أُرجع إلى اختلال توازنها، لتكن وفاتها صدمة لأصدقائها، لا سيما إسلام الذي يؤكد أن الموت دائماً مفاجئ، "حتى وإن ظل ما نفقده مريضاً أمامنا سنوات، إلا أن لحظة وفاته نتلقّاها وكأنه لم يذق المرض لحظة، فما ظنّك بمَن كانت معنا تضحك قبل أيام من وفاتها".

بموت صديقته حزن إسلام كثيراً، ولم يصدّق غيابها، ولكن بعد أيام أدرك موتها، وفكّر أن يُخرج على روحها رحمة، لتكون الفكرة صدمة أخرى؛ فهو لا يمتلك سوى كتبه "أنا شخص لا أمتلك غير الكتب، فهي زادي وثروتي، لذلك أول ما فكّرت فكّرت فيها، وكان كل ما حولي من كتب الفلسفة والرواية والنقد والشعر والتاريخ؛ فهي اهتماماتي"، مشيراً إلى أن ذلك تصادف مع افتتاح مكتبته «حيفا» ما جعله يخصّص جزءاً من الكتب المعروضة صَدَقة على روح «سلمى».

وعن رؤيته لإخراج الكتب على رحمة صديقته يقول إسلام إنه ليس من العقل أن أضع كتاباً في صحراء، فهناك الضال يبحث عن شربة ماء، لذلك إن أردت أن تصنع الخير في الصحراء؛ فلتحفر بئراً"، إذ أن "من المنفعة يأتي الثواب"، ولذلك يرى إسلام أن الكتاب "يحقق المنفعة لمَن ضلّوا في المدينة".


"لست أول من فعل ذلك"

مكتبة «حيفا» التي اتخذت من وسط البلد مقراً لها، مكتبة عامِرة بالكتب الأدبية والفنية، مثل الرواية والشعر والمسرح وكتب الموسيقى، أو ما يتعلق بها من كتب النقد، وأيضا كتب التاريخ والفلسفة، لكن لن تجد بها كتباً دينية، لذلك فقد يكون سعي صاحبها لجعل تلك المكتبة تدرّ ثواباً بدلاً من المال؛ محل خلاف، إلا أنه يؤكّد أن المنفعة التي تحقّقها تلك الكتب للبشرية؛ قد تعادل ما تحقّقه الكتب الدينية، "وما دام الله يدعونا إلى إعمار الأرض؛ ففي تلك الكتب إعمار وصلاح الإنسان الذي بدوره يعمّر أرضه".

ويضيف إسلام "كما أن الجميع يمتلكون في منازلهم كتباً سماوية، كل حسب عقيدته، لكن هناك الكثير من المنازل قد لا تجد فيها رواية واحدة، فهذه الكتب غالية الثمن والبعض يعتبرونها ترفاً، وأيضاً عندما شرعت في توزيع كتبي رحمة على روح صديقتي؛ لم يكن في بالي كل تلك الحسابات، كنت أريد أن أصنع لها شيئاً، وأنا لا أمتلك سوى الكتب".

أما عن قبول الفكرة لدى الغير؛ فيشير إسلام رمضان إلى أنه لم يطلب منهم سوى قراءة الفاتحة على روح صديقته، "وأظن أن ذلك لن يرهقهم ولن يكلّفهم كثيراً، فأنا أطلب الدعاء لا رأيهم"، كما أن المحيطين به جميعهم من المثقفين والفنانين؛ و"جميعهم يحبون الكتب ويرحّبون بها، فما ظنّك إن كانت هدايا"، لذلك يوضح أنه لم يقابل مَن يرفض فكرته، على الأقل حتى الآن - حسب قوله.

وأول ما وزّعه إسلام رمضان كانت مجموعة روايات لنجيب محفوظ، ضمّت "عبث الأقدار، زقاق المدق، اللص والكلاب"، وكتاب "ضحايا يوسف إدريس" لـ شعبان يوسف، إلى جانب مجموعة من الكتب المترجمة.

ويؤكد إسلام على أن طموحه أن يعمل على توسيع فكرته، حيث تصبح هي سنّة الاحتفاء بذكرى الكُتّاب الكبار "فأقل شيء نقدّمه لهم أن تتاح أعمالهم للقراءة مجاناً"، مشدداً على أن الفكرة جاءت وليدة وفاة صديقته، ووفاءً لتلك الصداقة، لكن حرصه على أن تصبح الفكرة أعمّ؛ هو ثواب لها أيضاً.

لم تكن تلك المرة الأولى التي يقوم فيها شخص بتوزيع كتب أدبية، لا سيما الروايات، على روح الموتى؛ فيحكي الشاب العشريني، أنه منذ فترة طويلة وقعت في يديه رواية لنجيب محفوظ، وكانت نسخة من طبعة قديمة، وقد كُتب على غلافها أنها إهداء إلى روح متوفّى، مختتماً: "وكان شخص يوزّعها على روح المرحوم كصدقة جارية، لذلك أظن أنني لست أول من فعل ذلك".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]