نقولا طعمة

محرر في الميادين نت ابتداء من أول آذار/ مارس 2012، ومراسل ومحقق صحفي ميداني على الساحة اللبنانية منذ 1980.

بيروت الوسيطة هاجِس البيارتة المحدثين

احتلت بيروت قلوب الملايين من بيارتة، ولبنانيين، وعرب، وأمميين. لا يخفى كيف ترابط المدينة الكبيرة في الأفئدة، باعثة فيها الدفء، بما تعجّ به من أحداثٍ، وبما تختزنه ذاكرتها من دينامية حياة، بالسالِب منها والموجِب. تصبح بيروت مثلاً يُضرَب به في صخب بيروت لم يكن عادياً. أحداثها كانت جبّارة. ثقافتها، وأنشطتها، وكل ما فيها لوّنت حياة العالم بما لا يُنسى، فجذبت الشارِد كل شارِدة، لكن الغالب منها يقع في الحيّز الحناني، العاطفي، العاشِق للمدينة. وأصبحت بيروت وطناً، وربما أوطاناً، في مدينة، ولم يمضِ قرن على نشوئها عاصمة للبنان.

يُعبّر العديد من الأعمال الفنية عن هذا العشق البيروتي، لشوارعها، وأحيائها، وربوعها، ومَن هجرها، فالفضل للتهديد بالموت. لم يكن ذلك طوعاً واختياراً. ومَن هاجر من بيروت، لم يستطع التفلّت من عشقها، رغم البعاد والانقطاع، لذلك نرى في الفنانين، بمشاربهم المختلفة، تشكيلاً وشعراً وموسيقى، انغماساً في أنحائها، وأشيائها، ومظاهرها.

ليلى داغر من الفنانات المولِعات بمدينتهن. أحبت بيروت، وعاشت تطوّراتها، وانقلاباتها، وتغيّرات أحيائها، وأزقّتها، وشبابيك بيوتها، وبواباتها الجميلة. فكان معرضها الحالي في غاليري "زمان" في الحمرا تحت عنوان "روح بيروت"، صرخة على ما تهدّد تراثها العمراني الجميل، وما اختزنته الذاكِرة من صوَرٍ، وأحلام الأبناء.

في "زمان"، داغر مهووسة ببيروت. شيء من جنون العشق، والتعلّق، ومن جنون الفقدان، والخسارة. وإذا كان "الضدّ يظهر حُسنه الضدّ"، فعند داغر يصحّ "على قدر المحبة العتب كبير".   

صفوف اللوحات من اليمين ولوجاً إلى داخل الصالة، وتعرّجاً نحو الخارج من جديد، تنزرع لوحات داغر صارِخة بما يتهدّد جمالات البنيان البيروتية، وبيوتها. لم تشأ الكلام بريشتها في موضوعٍ آخر. هذا هو الهمّ الأول، والتحدّي الأساس: كيف نوقف مجزرة التغيير المُستهدِف لذاكرة المدينة وتراثها الجميل! سؤال كامِن في اللوحات، وفي كلامٍ من الفنانة للميادين الثقافية.

تنظر داغر إلى إشكالية مصير الأبنية التراثية، وترى أن "حفظها لا يقتصر على حفظ حجرها وبنائها، إنما الحفاظ على الهوية اللبنانية".

وتتّسم أعمالها في المعرض بمشاهد للأبنية بصورةٍ انطباعيةٍ، وألوانٍ شفافة، لكنها محفوفة بالفوضى والاضطراب، بخطوط مُتداخِلة كأنها تتصارع في ما بينها.

تعبِّر داغر بذلك عن تناقضات الواقع في تناقضات اللوحة، وتقول إن أعمالها تظهر تهافت البيوت القديمة المُعبِّر عنه بالألوان المٌتدفّقة في اللوحة،  متراكمة بفيضٍ من الألوان المختلفة، ويبدو تدفّقها غير مُنضبط، فالت من عِقاله كما أفلتت مشاريع "ما بعد الحداثة" في بيروت، فحوّلتها إلى أصنامٍ باردةٍ، خاليةٍ من الدفء العاطفي، والحب المجتمعي المفقود تحت وطأة هذه المشاريع.

وتعلِّق داغر أن التناقض بين التطبيقات التقليدية، والخلفية التجريدية إنما هي "تعبير عن فوضى مدينية تهدّد البيوت القديمة المُتبقية وسط غابات الإسمنت، وهي محاولة تكثيف عملية استكشاف التمدّن المُعاصِر"، وتختم: "عبر أعمالي اللونية، أحاول إحياء تراثنا المُنقرِض منه، والمُهدَّد بالإنقراض".

أعمال داغر مُتقارِبة الأحجام، تتراوح في المتوسّط من الحجم. تظهر في وسط لوحاتها البيوت التراثية، تحفّ بها فوضى الحداثة، ويتكرَّر المشهد، حتى تضيق داغر ذرعاً بالمأساة بالمفرد، فتلجأ إلى تقنية مُتجدّدة بلوحاتٍ طويلةٍ بانوراميةٍ قليلة العرض، تجمع فيها كل مأساة العصرنة المهدّدة للتراث.

في معاني أعمالها انتقاد لما آلت إليه الحال البيروتية، بروحٍ تجمع الحَسْرة والمأساة بسُخرية القدر، يتجلّى ذلك في لوحات "التناقض" (Contrast)، وفي "واقفة وحيدة" (Standing Alone)، التي تظهر اختناق منزل تراثي في ناطحات سحاب. و"منظر مديني" (Urban View)، كمزيج ٍمن تراكم الأبنية القديمة والحديثة تعبيراً عن السرعة والفوضى التي نمت فيها المدينة. ولا تتخلّى عن الحنين في لوحة "الحنين" (Nostalgia)، و"ذكريات" (Memories)، ولا تستطيع الاستسلام بفُقدان مُخيّلتها البيروتية فتلجأ إلى رسم بيروت وفقاً لرغبتها كما في لوحة "بيروت الجميلة" (Beautiful Beirut)، ومتى غلبها الشوق تركت الريشة جانباً وكتبت على اللوحة "أحبك يا بيروت".

داغر من مواليد بيروت، درست الفن في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، ونالت شهادة الدبلوم في الفنون البصرية بدرجة شرف. تُدرِّس الفن في عددٍ من معاهد وجامعات لبنان، وأقامت العديد من المعارض في لبنان، ودبي، وهي عضو في نقابة الفنانين اللبنانيين. 

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]