محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

القمّة الخليجية بين المطرقة والسندان

جاءت البداية مع دعوة سعودية لقطر لحضور قمّة مجلس التعاون الخليجي التي جرت في الرياض في 9 ديسمبر / كانون الأول 2018. وحيث أنها أتت بعد يومٍ من إعلان قطر انسحابها من أوبك، هنا تعدّ هذه الرسالة الخطيّة من الملك سلمان هي الأولى من نوعها لأمير قطر منذ بدء الأزمة الخليجية. نعم بعد الدعوة اشترطت قطر إنشاء آلية لإيجاد حل لمُعاناة "ضحايا الحصار" والتعويض عليهم.

مع دعوة القمّة الخليجية المقبلة، إلى إنشاء آلية لإيجاد حلّ لمُعاناة ضحايا الحصار المفروض على قطر منذ عام ونصف العام، وإنصافهم وتعويض الضرَر. ورغم تلقيّه الدعوة السعودية، تغيَّب أمير قطر عن القمّة، وإن أرسل مكانه وزير الدولة للشؤون الخارجية سلطان المريخي. وإن عُقِد الاجتماع السنوي لمجلس التعاون الخليجي في أجواء أزمات متنوّعة منها الخلاف مع قطر والحرب في اليمن بالإضافة إلى مقتل خاشقجي.

ما أن جاءت الدعوة حتى بدأت تدور تساؤلات مشروعة في الأوساط السياسية عمّا يمكن أن يصدر عن الدوحة، خاصة بعد قرارها المُفاجئ الانسحاب من "أوبك"، وما إذا ستتّخذ الخطوة ذاتها مع "مجلس التعاون الخليجي" الذي تكاد التصريحات القطرية منذ مدّة أن تصل حدّ الإعلان عن وفاته. فمثل هذا التوجّه بدا جليّاً في تصريح وزير الخارجية القطري محمّد بن عبد الرحمن آل ثاني مطلع الشهر الجاري حول أن الوضع الحالي لمجلس التعاون الخليجي "مؤسف"، وأن المجلس فقَدَ قدرته على التأثير، بل هو في وضعٍ لا يمكنه حتى استرداد دوره مُستقبلاً في ظلّ الوضع الحالي.

(نحو الحفاظ على جبهة موحّدة في مواجهة إيران والإرهاب). هكذا افتتح الملك السعودي سلمان القمّة وحثّ الدول الأعضاء في كلمةٍ قائلاً "هذا يتطلّب منا جميعاً الحفاظ على مُكتسبات دولنا، والعمل مع شركائنا لحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم". مع دعوة الدول الأعضاء في المجلس إلى الوقوف صفّاً واحداً ضدّ إيران. ولم يتذكّر أحد حلفاء الخليج انسحب على نحو مُفاجئ الأسبوع الماضي من (أوبك) بعد 57 عاماً للتركيز على الغاز في ضربة على ما يبدو للسعودية المُنتج الرئيس في أوبك. نعم هي خلافات وتوتّرات تتوسّع، فالانسحاب القطري من (أوبك) بدا كضربةٍ للسعودية زعيمة أوبك الفعلية.

وكذلك عمّقت الخطوة إحساساً بين الدبلوماسيين والمحلّلين بأن قمّة الرياض لم تُقدّم على الأرجح أية فرصة لحل قريب للخلاف الخليجي. وقد حدث بالفعل، ففي حين قالت دول المقاطعة إن الخلاف ليس ضمن أولوياتها وأن مجلس التعاون الخليجي لا يزال فعّالاً، قالت الدوحة "إن الخلاف أضرّ بالأمن الإقليمي" من خلال إضعاف مجلس التعاون.

وكالة "بلومبرج" الأميركية حضرت بقوّة مُحلّلة بـ(أن قرار قطر المُفاجئ بالانسحاب من منظمة الدول المُصدّرة للنفط "أوبك"، قد تُمهّد به قطر نحو خطوة للانسحاب من "مجلس التعاون الخليجي" بعد قمّة الرياض، فقد رأت بلومبرج في تقريرها أن التبريرات التي قدّمتها قطر للانسحاب من "أوبك" اعتباراً من بداية 2019، يُمكن بسهولة استخدامها -على نحو أكثر إقناعاً- لتبرير خروجها من مجلس التعاون الخليجي حال أقدمت على تلك الخطوة).

وإن تُرجّح بلومبرج أن يؤثّر انسحاب قطر من "أوبك" بشكلٍ قوي على عضويّتها في مجلس التعاون الخليجي، لاسيّما وأن المجلس يضمّ بين أعضائه دولتين تُحرّكان بشكلٍ رئيسي المقاطعة العربية المفروضة على قطر منذ 18 شهراً، هما (السعودية والإمارات). ليس "بلومبرج" فقط فسبق أن أشارت وكالة الأنباء القطرية إلى أن قطر رُبما تُقدِم على خطوة الانسحاب من مجلس التعاون الخليجي" لاعتقادها أنها لن تجني مكاسب مادية من استمرار عضويتها بالمجلس، في الوقت الذي أخفق فيه هذا الكيان في حل أزمتها مع دول "الرُباعي العربي"، هكذا صرّحت.

الحقيقة أنه رغم أن انسحاب قطر من "أوبك" -المنظمة القوية التي تؤثّر بشكلٍ ملموسٍ في الشؤون العالمية- سيكلّفها القليل؛ كونها من أصغر الدول المُنتجة للنفط بين دول المنظمة، إلا أنها في حال غادرت مجلس التعاون الخليجي -المنظمة غير الفعّالة التي لديها تأثير ضئيل على الشؤون الإقليمية- من شأنه أن يُكلّف الدوحة الكثير، بحسب بلومبرج في حال انسحبت قطر من التعاون الخليجي فمن شأن هذه الخطوة أن تُعزّز الادّعاء (السعودي- الإماراتي) بأن الأسرة الحاكِمة في الدوحة تُقوّض "الإجماع العربي". أما البقاء في المجلس فسيسمح لقطر أن تؤكّد التزامها بـ"التعاون الإقليمي"، بما يُمكن أن يضع حداً للأزمة الخليجية المُستعرة منذ نحو عامين.

كذلك لم يذكر أحد ما تبادلته (البحرين وقطر) من انتقادات بشأن قرار أمير قطر عدم حضور القمّة السنوية، في خطوةٍ تشير إلى عدم احتمال إنهاء خلاف بين الدوحة والثلاث دول الخليجية في وقتٍ قريبٍ. فصرّح خالد بن أحمد آل خليفة وزير خارجية البحرين في تغريدة على تويتر "كان الأجدر بأمير قطر أن يقبل بالمطالب العادلة ويتواجد في القمّة" في إشارة إلى مطالب الدول التي قاطعت الدوحة. وردّاً على ذلك، قال أحمد بن سعيد الرميحي مدير المكتب الإعلامي في وزارة الخارجية القطرية "قطر تمتلك قرارها وحضرت قمّة الكويت في حين غاب حكّام دول الحصار عن الحضور".

وهنا يبقى أن القمّة الخليجية في الرياض.. لم تذهب لهذا الاحتمال القاسي عليهم وهو المغادرة القطرية لمجلسهم، فجاءت فيها السلبيات أكثر من أية إيجابيات تُذكر.. فلم يتمّ التنازل عن الصراع الخليجي مع قطر.. ولم تُذكَر أزمة خاشقجي.. ولم يتمّ الاعتراف بنكسات التحالف السعودي في اليمن. لننتظر القادم.. وإن كان مجهولاً.. فقمّة الرياض الخليجية انتهت بين سندان السعودية ومطرقة قطر.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً