أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

الأحزاب الإسلامية في المغرب: أزمة الدولة والدعوة

لقد مثّلت انتخابات ما بعد الربيع العربي نفَساً حقيقياً للنظام المغربي الذي احتاج إلى تجديد موارد مشروعيّته في إحدى أحلك اللحظات السياسية التي مرّ بها العالم العربي.

  • ركة 20 فبراير أسهمت إلى حدٍ كبيرٍ في تقوية حجم التنسيق بين اليسار والإسلاميين

مثل تمييز بيير يورديو الفرنسي بين نوعين من الأحزاب السياسية: أحزاب الجماهير وأحزاب الأُطر، ترجمة علمية واضحة لطبيعة الصراع السياسي الغربي في القرن العشرين حين تصارعت أحزاب اليمين وأحزاب اليسار، أحزاب الإشتراكية الوليدة وأحزاب الليبرالية الغربية المتمكّنة. أحزاب الأُطر النخبوية وأحزاب الجماهير الباحِثة عن العمال وعن الحِرفيين وعامّة الشعب. صراع في فرنسا الثائرة سنة 1968، والذي أسّس في العالم الغربي للسياسات الإجتماعية التي ابتلع بها العالم الليبرالي الغربي الكثير من انتقادات العالم الإشتراكي الشرقي.

في عالمنا العربي تعيش الحركة الإسلامية اليوم مساراً جديداً مُشابها ترتّب عما سُمي بالربيع العربي. حركة 20 فبراير وأخواتها في المغرب، أسهمت إلى حدٍ كبيرٍ في تقوية حجم التنسيق بين اليسار والإسلاميين حين خرج أحفاد الحركة اليسارية بجنب أبناء الحركة الإسلامية ليعلنوا نسخة الربيع العربي المغربية.

العدالة والتنمية: من الحركة إلى الحزب

  • بعد "الربيع العربي" أصبح الحزب أكثر تماهياً مع الحياة السياسية المغربية التقليدية

قبل الربيع العربي بسنواتٍ تحوّل تنظيم الإصلاح والتوحيد نحو تأسيس حزب العدالة والتنمية الذي سُرعان ما أعلن عن مدنيّته وعن مرجعيته "الإسلامية" المؤمِنة بالتعدّدية، وبعد "الربيع العربي" أصبح الحزب أكثر تماهياً مع الحياة السياسية المغربية التقليدية ومع طبيعة العلاقات النخبوية التي تميّزت بها دولة المخزن منذ ماقبل قيام الدولة الوطنية.

انخرط الحزب كسابقيه في محاولة بناء مشروعيّتين سياسيّتين جديدتين، أولاهما مع النظام وأخرى مع الأحزاب المنافسة، فيما لازالت صناديق الإقتراع تُعطيه شرعية مهمّة تناقصت إلى حدٍ معيّنٍ في الانتخابات الأخيرة. لقد مثّلت انتخابات ما بعد الربيع العربي نفَساً حقيقياً للنظام المغربي الذي احتاج إلى تجديد موارد مشروعيّته في إحدى أحلك اللحظات السياسية التي مرّ بها العالم العربي.

الأداء السياسي وتنزيل الدستور الجديد لسنة 2011 كان حاسِماً في الإعلان عن مشروع العدالة والتنمية الذي قنع بالدخول في النُخبة السياسية كما دخل من قبله اليساريون والإستقلاليون، فيما أولى الحركة الأمّ التي خرج من رحمها الحزب مهام التربية والدعوة.

في مقابل الحيوية الكبيرة للحزب الذي امتّص أغلب قيادات الحركة الكارزمية والشعبية، خَفَت الدور التربوي والدَعوي للحركة وفصائلها الجامعية. لقد استغنى الحزب عن الخطاب الإيديولوجي الذي أصبح يمثّل ثقلاً حقيقياً في نقد حامليه الحادّ لسياسات حكومة الإسلاميين المناقِضة لكثيٍر من المبادئ السياسية التي عاشت عليها قواعد الحزب في الزمن الجميل. إن الإسلاميين يعيشون مرحلة التحوّل من الدعوة إلى الدولة.

العدل والإحسان: أزمة الدولة والدعوة

  • كان موقف العدل والإحسان أقوى في رفض شروط اللعبة السياسية

فيما تبحث العدالة والتنمية عن مكانها وسط النَسَق السياسي من الداخل، كان موقف العدل والإحسان أقوى في رفض شروط اللعبة السياسية وفي المطالبة بتغييرٍ جذري للنظام. واكتشف قائد الجماعة ومُرشدها عبد السلام ياسين مُبكرا أن مسارات الربيع العربي كانت غير قادرة فعلاً على تحقيق التغيير السلمي المنشود والذي يتطلّب مشروعاً شاملاً ضاقت عنه حويصلة المعارضة والموالاة السياسية على حدٍ سواء.

بإزاء هذا الموقف، انبرى  تيّار مهمّ داخل الجماعة القوية نحو البحث عن سُبُلٍ جديدة ٍ للعمل السياسي. لقد ضاق بعض المعارضين داخل التنظيم ذرعاً من المسار الشاق الذي اتّخذه الإمام عبد السلام ياسين ليتّجه التنظيم بعده نحو إعادة هيكلة الجماعة لتتحوّل هي الأخرى من الدعوة إلى حزبٍ سياسي مُعارِضٍ غير مُعلَن عنه.

في إصلاح البنية التنظيمية الجديدة للجماعة تقلّص دور التنظيمات التربوية والدَعوية لتحلّ محلّها هيمنة الدائرة السياسية التي أصبحت تتّسع شيئاً فشيئاً لتتمكّن من مفاصل العمل الطلابي والإعلامي والتربوي. أصبح التنظيم هو الآخر يزهد شيئاً فشيئاً في عمله القاعِدي نحو تركيز أكبر على العلاقات الخارجية مع الإسلاميين وداخلياً مع الفرقاء السياسيين المعارضين والموالين للنظام.

يتحوّل الإسلاميون اليوم داخل المغرب وخارجه نحو مرحلة جديدة من مراحل الصراع السياسي مع النظام: الصراع النخبوي. صراع البحث عن القوّة من خلال الشرعية الخارجية( التحالف مع السعودية حامية الوهّابية- تركيا المشروع السلطاني- أميركا البرغماتية) أو مع الأنظمة الإستبدادية الداخلية والنُخَب اليسارية والقومية التي فقدَت هي الأخرى جزءاً كبيراً من مشروعيّتها التاريخية منذ النكسة.

بمقابل هذا، تنضج إجتماعياً واقتصادياً أزمات جديدة خلّفها الربيع العربي وانعكاساته الإقتصادية الخطيرة على العالم العربي، وصراع الصين والعالم الغربي على الأسواق الفقيرة وعلى استغلال الثروات الطبيعية. لقد أظهرت أزمة الريف في المغرب وتوتّرات تونس الإجتماعية أن دور الإسلاميين في تأطير القواعد الشعبية وفي الوساطة السياسية آخذٌ في التقلّص مما يهدّد في الحقيقة الأنظمة السياسية نفسها، فدور الحركات الإسلامية كمعارضاتٍ جذريةٍ تمتصّ المطالب وتؤطّرها إجتماعياً أسهم في بناء ثقافةٍ سياسيةٍ غير عنيفةٍ إجتماعياً. وبعبارةٍ أخرى فإن فُقدان الإسلاميين لدورهم الدَعوي سيُضعِف وجودهم السياسي على المدى الطويل وسيُهدِّد التوازُنات القائمة في الوعي الجمعي الشعبي الذي قد يبحث عن مساراتٍ مجهولةٍ في التغيير حين تسقط مِصداقية آخر فرسان المعارضة في المشهد السياسي العربي المعاصِر.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً