حياة الحويك عطية

كاتبة وباحثة، خبيرة في الإعلام السياسي

بشأن مُصطلحات المسيحيين أو السنّة والشيعة العرب

واقع يكرّسه خطاب يتناول المواطنين ويصنّفهم بحسب انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو العرقية. وقد لا ننتبه إلى أن هذا  الخطاب هو تفتيتي سواء تناول هؤلاء بالذّم والتكفير أو حاول التقرّب منهم بالمدَح.

لا بدّ من إعادة النظر في بعض المصطلحات المتخلّفة التي تحمل جميع دلالات الأزمة الحضارية التي نعيش
لا بدّ من إعادة النظر في بعض المصطلحات المتخلّفة التي تحمل جميع دلالات الأزمة الحضارية التي نعيش

منذ بن غوريون لم تتغيّر القناعة الاستراتيجية بأن "إسرائيل" لا يمكن أن تبقى إلا بتدمير ثلاثة دول: مصر، العراق وسوريا. ولا يكون هذا التدمير إلا بإذكاء عوامل التدمير الذاتي، لأنه حتى في الحال التي احتاج فيها الأمر احتلالاً خارجياً، كما حصل في العراق، لم يكن لهذا الاحتلال أن يحقّق أهدافه لولا تفعيل الهويات الفرعية وتضخيمها لتتجاوز الهوية الوطنية الجامِعة، بل وتعميق الأحقاد لتحويل اتجاه العداء لدى كل منها ليصبح العدو هو الآخر في الوطن وليس الأجنبي المحتل. أحقاد عمياء بلغت ذروتها مع بروز الفكر التكفيري حتى بروز تنظيم داعش وما اقترفه بحق المكوّنات الوطنية غير السنّية، بل وحتى السنّية غير الموالية. وإذ اتجه هذا العداء بشكلٍ أساسي ضد المسيحيين فذلك تنفيذاً لتعصّب أعمى متجذّر لدى الغوغاء، ولكن تنفيذاً لاستراتيجية مدروسة وواضحة لدى المخطّطين والقيادات الظاهر منها والخفيّ، ترمي بشكل أساس إلى منع إمكانية قيام دولة حديثة مدنية في هذه المنطقة من العالم ، وإلى القضاء على التعددّية القائمة في الدول المُحيطة بالدولة العبرية العنصرية .  هدفان لا تخرج عنهما، من جهة أخرى، الدعاوى العنصرية العرقية أو الإتنية فيما تبلور بشكل فاقع مع المسالة الكردية. ويظلّ المشترك الناتج في الحالين أن الهويات الفرعية التي تخرج نفسها من سياق الهوية الجامعة الموحّدة – الدولة ، تجد نفسها بحاجة إلى حماية بديلة عن الدولة، خاصة في وجه الآخر فلا تجدها إلاّ في طرف أجنبي يوظّفها لمصالحه الاستراتيجية ، سواء قدّم نفسه امتداداً أم قدّم نفسه راعياً بحجّة القِيَم.

واقع يكرّسه خطاب يتناول المواطنين ويصنّفهم بحسب انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو العرقية. وقد لا ننتبه إلى أن هذا  الخطاب هو تفتيتي سواء تناول هؤلاء بالذّم والتكفير أو حاول التقرّب منهم بالمدَح، وسواء أطلق بحُسن أو بسوء نيّة أو بسوء تقدير، ونخصّ هنا أحد مجالات هذا الخطاب وهو ذلك المُتعلّق ب "المسيحيين العرب"  بناء على الملاحظات التالية:

-  بدءاً من المُصطلح: لا يجوز تقديم كلمة المسيحيين على الصفة التالية، لأن في ذلك اعتراف بأن الهوية الأولى – الأساس للإنسان هي الدين. ما يستتبع أن اليهودية هي هوية مقبولة ومكوّن لشعب.   

- لا يجوز الكلام عن المسيحيين وكأنهم كتلة واحدة مُتناغِمة، وكذلك الأمر عن السنّة أو الشيعة أو الدروز. 

- لا يجوز تكريس كلمة العرب إلا مع التأكيد على أن المقصود بها ليس هوية عرقية، وإلا فإن مشكلة أكبر ستبرز مع إتنيات أخرى موجودة في هذه الأمّة ومكوّنة لها منذ ما قبل العرب، سواء في المشرق أم في المغرب . في حين أن الأمم الحيّة الحضارية هي تلك التي تحقّق الاندماج الجميل بين جميع تعدّدياتها وتثرى بها جميعاً ، كما تحقّق التمسّك بالخط الحضاري الممتد على جميع مراحلها التاريخية ، هذه المراحل التي كلما امتدّت في رحم الأرض والتاريخ كلما جعلت من الأمّة كياناً أغنى وأعرق وأكثر حضارة. ولا يتخيّل أحد أن أمّة تمتد حضارتها لعشرة آلاف عام تريد أن تمسك المقصّ لتحتفظ منها بألفين أو ألف ونصف ألف فقط.

- إذا كان ثمّة حديث ممكن عن المكوّنات التعدّدية ، فليس لأشكلة هذا الخطاب وأنما قبولاً بخصوصيات تثري وتغني ولا تخرج عن إطار الهوية الجامعة في إطار دولة المواطنة.

 -  المواطنون من اتباع الديانة المسيحية ليسوا وافدين على هذه الأرض، هم السكان الأصليون، منهم مَن أسلم ومنهم مَن بقي على مسيحيته. وهم بالتالي ليسوا بحاجة إلى براءة ذمّة في وطنيّتهم، لا ولا إلى شهادة حُسن سلوك ينحتون حروفها مُستجدين أو يهديها إليهم مواطن آخر مُتسامح. إن هذه إلا عقلية ذمّية هي نقيض عقلية المواطنة. 

- هؤلاء المواطنون، كما قلنا ليسوا كتلة، هم ككل المواطنين بينهم المناضل الاستشهادي وبينهم العميل، بينهم الباني وبينهم المدمّر، بينهم العالم وبينهم الجاهل ، بينهم القومي وبينهم الانعزالي الخ... بينهم جورج حبش وبينهم أنطوان لحد ، بينهم أنطون سعاده وجورج حاوي وبينهم سمير جعجع، بينهم إبراهيم اليازجي وبينهم الأميّ....وهنا لم يقدّم حبش أو سعاده او حاوي أنفسهم كمسيحيين وإنما كأصحاب خطوط سياسية مقاوِمة عقائدية واستشهادية.

  - من هذه الملاحظة الأخيرة، نعبر إلى إشكالية أخرى: لا تأتي شهادة حُسن السلوك من تعداد المسيحيين بين خدم البلاط والمتمسّحين بأبوابه أو بأجهزته. هؤلاء يجوز عليهم ما يجوز على كل مواطن متزلّف وصغير النفس أياً يكن دينه أو عرقه.

- عند الكلام عن تناقُص عدد المسيحيين في مختلف المجتمعات العربية ، وهذا ما تؤكّده الأرقام ، فلا بد من التركيز الشديد على كون ذلك مُخططاً صهيونياً – أياً كان من ينفّذه – للوصول إلى الهدف الذي ذكرناه أعلاه : مجتمع أحادي مسلم يقابل مجتمعاً أحادياً يهودياً. وهذا ما يعني عدم الاكتفاء بالمنهجية الوصفية وإنما طرح حلول يتصدّى لها جميع المسؤولين، اجتماعياً وحكومياً، كواجب وطني لا كتدخّل إنساني.

-  كذلك عند الكلام عن تميّز معيّن سجّله بعض المثقّفين المسيحيين سواء في العصرين العباسي والأموي أو في مطلع عصر النهضة الحديثة، فلا بدّ أيضاً من ربط ذلك بعوامل اجتماعية وتاريخية وثقافية مُحدّدة   والخروج من ذلك بعِبَر تفيد في مسألة البناء الحضاري.

- أخيراً، لا بدّ من إعادة النظر في بعض المصطلحات المتخلّفة التي تحمل جميع دلالات الأزمة الحضارية التي نعيش: إضافة إلى المسيحيين العرب: الواقع المسيحي – الموقف المسيحي – كل المسيحيين – المجتمع المسيحي – المنجز المسيحي – الشارع المسيحي – التسامُح (التسامح يحمل ضمناً معنى الذنب) الخ.... وذلك ما ينطبق على الآخرين ، مقابل التركيز على مُصطلح المواطِنة.

وفي خلاصة كل ذلك نجد بوضوح أن الأزمة إن هي إلاّ ازمة العقل العربي الذي لا يستطيع الخروج من الانتماء الإتني والطائفي والمذهبي والديني، (سواء مثّل ذلك أغلبية أم أقلية) إلى انتماء وطني. هو عقل لم يدخل بعد عصر التنوير الذي دخله غيرنا منذ ثلاثة قرون.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً