أحمد فال السباعي

باحث متخصص في الدراسات الاستراتيجية في المغرب

جذور البرغماتية لدى إسلاميي المغرب

منذ عهد حسن البنا إلى اليوم لا زالت الحركات الإسلامية لم تحدّد بعد أسلوباً واضحاً للوصول إلى السلطة وممارستها، ورغم أن أهم ما حمله الربيع العربي بالنسبة للكثير من هذه الحركات حسمها السياسي لطريق الوصول إلى الحكم عن طريق التدافع السياسي ، فإن المحيط السياسي العربي لا زال غير ناضج بالقدر الكافي لبلورة هذا المسار الديمقراطي.

 أسهم الفراغ الدَعوي والفكري في سيطرة تيارين مُنسجمين إلى حدٍ بعيدٍ في جسم الحركة الإسلامية
أسهم الفراغ الدَعوي والفكري في سيطرة تيارين مُنسجمين إلى حدٍ بعيدٍ في جسم الحركة الإسلامية

في تركيا تمكّن الإسلاميون من الوصول إلى الحكم عن طريق الإنتخابات الديمقراطية، فيما رسّخ إسلاميو إيران تقاليد التداول السلمي على السلطة منذ الثورة سنة 1979. مكّن الإنخراط التام للإسلاميين في هذين البلدين من تعزيز بناء الدولة الديمقراطية القوية. ورغم النقد الشديد الذي توسَم به التجربتان المختلفتان إلا أنهما أثبتتا قدرة واضحة على الإستمرارية والفعالية بعد تاريخ طويل من الصراع مع العسكر في تركيا ومع معارضي نظام ولاية الفقيه في إيران.
في نموذجي مصر والسودان تأسّس التغيير على التحالف مع الإنقلابية العسكرية ، ولم تجد الحركة الإسلامية في الفقه السياسي ما يُناقض هذا النهج بسبب غياب رؤية سياسية واضحة للتغيير.
في هذه الدراسة سنحاول الوقوف على عوامل ترسّخ البرغماتية في العمل السياسي عند الإسلاميين. البرغماتية بمعناها الغائي الذي لا يحفل أصحابه كثيراً بمطابقة الوسائل للمبادئ الشرعية أو القانونية في العمل السياسي، لكن قبل بحث الموضوع يجب التسليم ابتداء بأن الخصوم السياسيين للإسلاميين كثيراً ما ينعتونهم بالبرغماتية والوصولية في إطار بروبغندا سياسية تخالف في أحايين كثيرة واقع الحال، لكن لا يمكن لدارسي الحركات الإسلامية من إغفال هذا الأسلوب في العمل السياسي، والذي ازداد ترسّخاً بعد ما سُمي بالربيع العربي، فماهي عوامل تجذّر هذه الممارسات؟
المتأمّل الموضوعي لتاريخ الحركة الإسلامية يمكن أن يربط تجذّر هذا المنهاج السياسي بالعوامل التالية:
- أزمة الفراغ في الفقه السياسي وسيطرة إسلام البترودولار:
كانت حركة الإمام حسن البنا حركة إجتماعية فرضها السياق في دولة إسلامية سقطت خلافتها، لذلك عاشت الحركة الإسلامية منذ البداية أسبقية الحركة على التفكير والتنظير. لقد كانت رسائل البنا ردوداً على أسئلة ملحّة حول القضايا التي واجهت التنظيم المتنامي في القوّة والتأثير. بمقابل هذا في تركيا نشأت الحركة السياسية بعد تفكير طويل حسم فيه الأتراك الصوفيون موقفهم من الديمقراطية لينخرطوا في العمل السياسي داخل نظام سياسي علماني بحت. وفي إيران تأسّس النظام السياسي على نظريات ولاية الفقيه التي تبلورت في المدرسة الدينية منذ قرون.
لقد حمل أغلب الحركات الإسلامية في العالم العربي وِزر هذا الفراغ الفقهي السياسي، الذي لم تملأه إلا غضبة سيّد قطب حين انقلب الضبّاط الأحرار على الإخوان الذين ساندوهم في الإنقلاب ضد الملك فاروق.
في العدل والإحسان بالمغرب استطاع مؤسّسها الإمام عبد السلام ياسين والزعيم التاريخي للنهضة التونسية راشد الغنوشي الخروج عن هذه اللازمة العامة التي تتلاحق فيها أنفاس الحركات الإسلامية مع الواقع ، لتملأ الفراغ الفكري من خلال رؤى سياسية تستبق الفعل السياسي قبل الورود على الممارسة، لكن ظلّت أغلب الحركات الأخرى رهينة الأحداث وردود الأفعال.
في وسط هذا الفراغ الذي تجذّر في سنوات القمع السياسي وهجرة أغلب قيادات الإسلاميين إلى دول الخليج إبان السبعينات والثمانينات، ترسّخ فقه البترودولار السياسي الذي عزّز بشكل كبير طابع البرغماتية الأميركي الذي ورثه علماء آل سعود عن حكّامهم، الذين رسّخوا شرعية ميكيافيلية الأمير بالنصوص الداعمة، والتي سرعان ما تسرّبت إلى سلوكيات الحركات الإسلامية التي تبحث عن الفتاوي السياسية في زمنها الصعب.
- تقليد القيادات التاريخية وأزمة التجديد:
حيث تجمّد أغلب التيارات على تنظيرات المؤسّسين، فنظرة البنا لإيجابيات نظام الحزب الوحيد وتذمّره الشديد من التعدّدية السياسية التي رآها في عصره عنواناً للفساد السياسي والضعف، توارثها الوعي السياسي الإخواني وكرّست داخله نظرة سلبية للمعارضة والإختلاف. من جهة أخرى، تسهم الرغبة في تقديس المؤسّسين والتنافُس على وراثتهم في ترسيخ التقليد. ورغم أن وصول القيادات القطبية إلى حكم الإخوان في مصر قد أزاح الكثير من آراء البنا التي كانت أكثر تسامحاً وتعدّدية فإن تقليد أفكار سيّد قطب لا زال حاضراً في مصر وخارجها.
- ثنائية القطبية والسلفية في التنظيم والدعوة:
لم تحمل أفكار قطب فقهاً سياسياً أو تنظيرياً لمفهوم الدولة وأسُسها الفكرية بقدر ما حملت رؤيته السياسية نقض الواقع من دون تقديم بدائل حقيقية. لقد أسقطت نظرته الشرعية عن الحاكم، لكنها لم تقدّم بديلاً ولا مساراً إنتقالياً واضحاً للوصول للدولة الإسلامية. وفي ظلّ هذا الفراغ الذي تعزّز بسيطرة أدبيات إبن تيمية القادمة من الخليج تعزّز ما سمّاه الباحث المصري القدير حسام تمام "بتسليف" الإخوان.
سيطر القطبيون على التنظيمات الإسلامية وانعزلت الحركة الإسلامية عن محيطها الفكري التنظيري، وفي الوقت الذي كان فيه حسن البنا على علاقة كبيرة بمعاصريه من الأدباء والمفكّرين والمنظّرين، انعزلت الجماعة بسبب القمع باحثة عن تأسيس "جيل قرآني" معزول عن المجتمع، لتتحوّل الدعوة الإخوانية الصوفية إلى دعوة سلفية تشرّبت برغماتية العمل السياسي الوهّابي الذي كانت السياسات الأميركية تفتل فيه على مهل في الرياض.
عزّزت سيطرة السلفية على الدعوة من قوّتها الجماهيرية ومن اتّساع نفوذها الإنتخابي حيث قادت غزوات الصناديق في مصر وصوّتت في تونس والمغرب بسخاء على الإسلاميين، لكنها في نفس الوقت عزّزت الولاء الثنائي مع قياداتها الخليجية التي أثبتت قوّتها خصوصاً في مصر مقارنة مع تونس والمغرب.
لقد أسهم الفراغ الدَعوي والفكري في سيطرة تيارين مُنسجمين إلى حدٍ بعيدٍ في جسم الحركة الإسلامية: القطبيين والسلفيين، اللذين يمنعان الفكر السياسي للإسلاميين من الخروج من طوْق تقليد الزعماء التاريخيين ومن طوْق تقليد مشايخ الوهّابية الذين يبرّرون لحكّامهم بدل أن يوجههوهم.
في تركيا تأسّست الفكرة السياسية على مبدئية الإيمان بالديمقراطية، وفي إيران تأسّست الفكرة السياسية على نظرية ولاية الفقيه بينما لا يزال كثير من الإسلاميين في العالم العربي غارقين في ضبابية فكرة سياسية تقود نحو تعزيز برغماتية البترودولار ، التي تجعل هذه الحركات رهينة وعاء إنتخابي ثنائي الولاء وواقع سياسي تغيب فيه القدرة على التفاعل مع المخالفين فكرياً وإيديولجياً في زمن الصفقات، والبحث عن التحالفات الخارجية السهلة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً