عبد الله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية.

إمارة الجولاني استعصاء قابل للاستثمار

ليست خيارات "جبهة النصرة"، وحدها، ما تشكّل عامل تعقيدٍ في حلّ معضلة إدلب، إذ أن الأداء التركي وطريقة تعاطيه مع التزاماته بموجب أستانة وسوتشي تشيان بأن أنقرة مستمرة في سياسة كسب الوقت ومحاولة الحصول على فرصة جديدة بعد تفويتها للفرص السابقة الممنوحة لها روسياً تحت عنوان "الصبر الاستراتيجي" الذي فرضته لعبةُ التجاذب الروسي – الأميركي حول أنقرة ودورها في الأزمة السورية.

الجولاني يعمل على إطالة عمر إماراته في المنطقة والخطر يتمثل في أن بعض الدول قد تتقاطع مصالحها مع الواقع القائم وتعمل بدورها على إطالته أكثر من ذلك
الجولاني يعمل على إطالة عمر إماراته في المنطقة والخطر يتمثل في أن بعض الدول قد تتقاطع مصالحها مع الواقع القائم وتعمل بدورها على إطالته أكثر من ذلك

يواجه مسار أستانة للمرة الأولى منذ انطلاقه استعصاءً حقيقياً في التنفيذ  قد يضطر الدول الضامِنة (روسيا وإيران وتركيا) إلى محاولة اجتراح حلول جديدة من أجل تجاوزه. وخلافاً للخطوات المتّفق عليها بموجب اجتماعات أستانة ومن بعدها اتفاق سوتشي بين روسيا وتركيا الذي جاء توقيعه بمثابة محاولة أخيرة لمنع انهيار منطقة خفض التصعيد في إدلب، شهدت الأوضاع في هذه المنطقة تدهوراً خطيراً تمثل في بسط "جبهة النصرة" سيطرتها على معظم أنحاء المنطقة.

وتدلّ هذه السيطرة في جانبٍ منها على عجز أنقرة عن الإيفاء بالتزاماتها التي كانت تقتضي منها: أولاً العزل بين "المعتدلين" و"المتطرّفين". وثانياً إنشاء منطقة منزوعة السلاح بعمق 20 كيلو متراً وفتح الطرق الرئيسية الواصلة بين دمشق واللاذقية من جهة وحلب وصولاً إلى الحدود التركية من جهة ثانية. لكنها في الجانب الآخر، وهو الأخطر، تعني أن واقعاً جديداً بدأ يتكوّن في منطقة خفض التصعيد الأخيرة، وهو يختلف اختلافاً جذرياً عمّا شهدته باقي المناطق التي جرى حل ملفاتها تحت سقف أستانة كما في المنطقة الجنوبية والغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي.

ويتميّز هذا الواقع بأنه للمرة الأولى تكون منطقة خفض التصعيد خاضعةً لسيطرة تنظيمٍ مصنّفٍ على قائمة الإرهاب ورافضٍ للخوض في مسارات التسوية السياسية. وقد تحقّق ذلك بعد ما تمكّنت "جبهة النصرة" من استئصال حركة نور الدين الزنكي من ريف حلب الغربي، وأفقدت معظم فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير" القدرة والفاعلية على القيام بالدور الذي كان مرسوماً لها، وهو أن تكون عامل توازن لنفوذ جبهة النصرة في هذه المنطقة. ومن شأن ذلك أن يضفي مزيداً من التعقيد على طريقة حلّ ملفّ إدلب لاسيّما أن "جبهة النصرة" لديها أكثر من سبب إيديولوجي وعملاني يدفعها لتفضيل اللجوء إلى خيار القتال حتى الرمق الأخير، ورفض إجراء أية تسوية على منوال التسويات التي شهدتها المناطق السابقة.

وليست خيارات "جبهة النصرة"، وحدها، ما تشكّل عامل تعقيدٍ في حلّ معضلة إدلب، إذ أن الأداء التركي وطريقة تعاطيه مع التزاماته بموجب أستانة وسوتشي تشيان بأن أنقرة مستمرة في سياسة كسب الوقت ومحاولة الحصول على فرصة جديدة بعد تفويتها للفرص السابقة الممنوحة لها روسياً تحت عنوان "الصبر الاستراتيجي" الذي فرضته لعبةُ التجاذب الروسي – الأميركي حول أنقرة ودورها في الأزمة السورية. وقد تغاضت موسكو في سبيل ذلك عن الإيفاء بوعدها الذي قطعته على نفسها بأن يكون 2018 عام القضاء على "النصرة".

ورغم المأزق الذي تواجهه أنقرة بمواجهة روسيا نتيجة عدم إيفائها بالتزاماتها وما يمكن أن يشكّله ذلك من ذريعة لتغليب كفّة الحل العسكري، وهو ما تدلّ عليه التحشيدات العسكرية للجيش السوري على أطراف المنطقة، إلا أن ثمة عوامل أخرى قد تجعل أنقرة لا تستشعر بضرورة اتخاذ أيّة إجراءات جذرية لمعالجة تطوّرات إدلب والاكتفاء ببعض الخطوات السطحية  التي ستصبّ في نهاية المطاف في خانة زيادة الوقت في الساعة التركية. وأهم هذه العوامل: العامل الدولي وبالأخصّ موقف بعض الدولة الأوروبية ممثّلة في فرنسا وألمانيا. حيث أن غياب ردود الأفعال إزاء تمدّد تنظيم مُصنّف على قائمة الإرهاب، وعدم صدور أي تصريح غربي يندّد به بلهجة قوية، يدلّ بما لا يدع مجالاً للشك على أن ثمة رغبة عامّة في ممارسة سياسة الاحتواء وعدم تصعيد الموقف بما يؤدّي إلى انهيار اتفاق سوتشي. وربما هذا ما فهمته أنقرة جيداً فبدأت باتباع سياسة مزدوجة: يقوم وجهها الأول على محاولة استرضاء روسيا عبر تأكيد أنقرة التزامها باتفاق سوتشي، واستعدادها لدراسة موضوع عملية عسكرية مشتركة. ويستند وجهها الثاني على البُعد الدولي لملف إدلب من أجل إبطاء عقارب الساعة والحصول على مهل جديدة.

أما العامل الثاني، فهو القرار الأميركي بالانسحاب من شرق الفرات وما استتبعه من استغراق كافة الأطراف في مساعٍ ومحادثات لضبط عملية الانسحاب وتقاسم المكاسب التي يمكن أن تترتّب عليها، أو تخفيف خسائرها. وعلى وقع انقلاب سلّم الأولويات بين إدلب وشرق الفرات جراء الانسحاب الأميركي، قد يجد اللاعبون الرئيسيون أنفسهم مضطرين لتأجيل حسم ملف إدلب بانتظار ما ستسفر عنه التطوّرات في شرق الفرات الذي يمثل "الجنة النفطية والزراعية في سوريا".

هذه القراءة قد تكون هي السبب الرئيس الذي دفع أبا محمّد الجولاني زعيم "جبهة النصرة" للإقدام على مغامرة السيطرة على منطقة خفض التصعيد في إدلب من دون أن يخشى من أية ردّة فعل قوية على المدى القريب.

وسوف يراهن الجولاني على عدّة أمور لإطالة عُمر إمارته في المنطقة، أهمها: اضطرار أنقرة للتعامل مع حكومة الإنقاذ التابعة له وعجزها عن فرض حصار عسكري واقتصادي على مناطق سيطرتها ، لأن ذلك سيرتدّ سلباً على أنقرة من خلال ارتفاع موجات اللجوء والتهريب.

ويتمثل العامل الثاني في أن إطلاق أية عملية عسكرية واسعة في منطقة إدلب لخفض التصعيد يحتاج إلى تفاهم مسبق مع الولايات المتحدة وأوروبا وهو ما لم تظهر أية إشاراتٍ تدل على إمكان حدوثه. بالإضافة إلى أن تكلفة أية عملية عسكرية بعد تفرّد جبهة النصرة في السيطرة، أصبحت أعلى من أيّ وقت مضى، لذلك فإن التحضير لمثل هذه العملية سيستغرق وقتاً أطول بطبيعة الحال.

وقد يكون من المُبكر تحديد التداعيات التي يمكن أن تترتّب على إطالة عُمر إمارة الجولاني، لكن الأخطر يتمثل في أن بعض الدول قد تتقاطع مصالحها مع الواقع القائم وتعمل بدورها على إطالته أكثر من ذلك. وهذا لسببين: إمّا لعرقلة مسار أستانة وهو مطلب أميركي، وإمّا لاتخاذ إدلب وإمكانية التصعيد فيها وسيلة لإلهاء الدول الضامنة عما سيجري رسمه لشرق الفرات.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً