محمد عبد الرحمن عريف

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

"وارسو" حلف من دون حلفاء

إلى أين تذهب "وارسو" بالحلف والحلفاء لطرفين هما "بومبيو والشرق الأوسط" ضد إيران؟، وكان الأحق وقف حروب طالت المنطقة بين شام ويمن، وتسبّبت في تشريد ومجاعات لملايين المدنيين العُزَّل.

إلى أين تذهب "وارسو" بالحلف والحلفاء لطرفين هما "بومبيو والشرق الأوسط" ضد إيران؟
إلى أين تذهب "وارسو" بالحلف والحلفاء لطرفين هما "بومبيو والشرق الأوسط" ضد إيران؟

البداية مع الإعلان عن قمّةٍ مُزمَع عقدها في بولندا (13 و14 شباط/ فبراير) المقبل "سنجمع عشرات الدول من جميع أنحاء العالم"، حيث "ستجتمع الدول جميعاً للتركيز على الاستقرار والسلام والحرية والأمن في الشرق الأوسط، وهذا يشمل عنصراً مهماً وهو التأكيد على ألا يكون لإيران نفوذ مزعزع للاستقرار"، هكذا صرّح بومبيو من القاهرة.

نعم التحالف ضد إيران ليس بالأمر الجديد، فمنذ إطاحة الشاه والإدارات الأميركية المُتعاقبة تحاول ذلك. وإن يُعدّ هذا الإعلان أحدث خطوة في سعي إدارة ترامب لما تسميه (حملة ضغط) ضد إيران، تتضمّن الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وتشديد العقوبات عليها سعياً إلى عزلها. وهي دعوة صريحة من بومبيو إلى ضرورة التصدّي للنظام الإيرانى بدلاً من إقامة العلاقات معه. قائلاً إن واشنطن ستطرد "آخر جندي إيراني" من سوريا بـ"الدبلوماسية". على النقيض تماماً ترى الخارجية الأميركية أن الشراكة مع دول الخليج ضرورية من أجل حماية إمدادات الطاقة العالمية ومُحاربة ما يُسمّى بـ"الإرهاب الإسلامي الراديكالي"، بالإضافة إلى ما تسميه بـ"مواجهة العدوان الإيراني".

يحدث كل ذلك في عديد العواصم بين البحرين إلى الإمارات ثم قطر والسعودية وسلطنة عُمان والكويت، أي كل دول مجلس التعاون الخليجي الست. من أجل مجلس تعاون خليجي مُتّحد هو حجر الأساس للسلام الإقليمى والازدهار والأمن والاستقرار، وهو ضروري لمواجهة أكبر تهديد للاستقرار الإقليمي وهو النظام الإيراني. هكذا تأتي رسائل القاهرة بما تضمّنته من حشد بومبيو ضد إيران، ومهاجمته سياسات أوباما، في المنطقة. فمن القاهرة أفصح "بومبيو" عن رؤية أميركا في الشرق الأوسط، كما أنه صوّب أعيرة حديثة على سياسات أوباما بقوله إنه "حان الوقت أن ينتهي عار الولايات المتحدة في المنطقة". مُصرِّحاً أن الولايات المتحدة "غائبة" عن مصر خلال إدارة أوباما، واتّهمه بوضع "سوء فَهْم جوهري" في خطابه في القاهرة عام 2009.

رغم كل المساعي السالِفة لبومبيو عبر عواصم الشرق الأوسط إلا أن "الأوروبيين لن يشاركوا بسبب اختيار واشنطن وارسو مكاناً لإنعقاد القمّة كمحاولة لشقّ الصف الأوروبي". هكذا هم الرفاق حائرون، فـ"المشاركون في آخر الاجتماعات المُناهضة لإيران إما ماتوا أو فُضِحوا أو هُمّشوا، والحكومة البولندية غير قادرة على إزالة وصمة العار هذه، فبينما إيران هي التي أنقذت البولنديين في الحرب العالمية الثانية، باتت بصدَد استضافة مسرحية يائسة لمُناهضي إيران". هكذا علّقت إيران على القمّة على لسان محمّد جواد ظريف.

بالطبع فإن جولة بومبيو مُبرمَجة، ورحلة ذات أهداف رئيسية، منها تشجيع الدول العربية على إقامة "تحالف استراتيجي شرق أوسطي" ضد إيران؛ مع ضمان سلامة مجلس التعاون الخليجي وتجنّب الولايات المتحدة فُقدان نقطة الارتكاز الاستراتيجية في الشرق الأوسط؛ كذلك استرضاء الحلفاء العرب لتخفيف خيبة أملهم والقلق بشأن الانسحاب الأميركي من سوريا؛ مع مطالبة الدول العربية بتقديم المزيد من الدعم المالي، والتفنّن في حَلْب المنطقة.

نعم لا يزال "الدور الجديد" للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط غير واضح المعالم، ويُعتَبر الخطاب الذي ألقاه بومبيو في القاهرة بعد ظهر يوم 10 كانون الثاني / يناير بمثابة بيان شامل للاتجاه المستقبلي لسياسة الحكومة الأميركية في الشرق الأوسط. وتبقى الزيارة تظهر أن موقف الحكومة الأميركية الحالي بشأن القضايا العملية الإقليمية أقل وضوحاً من موقف الحكومات السابقة. وقد تندرج البلدان التي زارها بومبيو خلال هذه الجولة في "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي". فالشقوق بين دول مجلس التعاون الخليجي بسبب الأزمة الخليجية يصعب ترميمها، على الرغم من أن هذه الدول لن تنقسم على المدى القريب، ولكن انعدام الثقة المُتبادَلة أمر خطير.

الفرضيات تقول إنه قد لا تتبع الدول العربية الأخرى وتيرة السعودية وتنضمّ إلى هذا التحالف، حتى لو تمّ تأسيسه، فقد يكون مُجرّد هيكل فارغ. عليه يكون أكبر مكسب لرحلة بومبيو هو الدعم المالي من دول الخليج، وتوقيع مذكرة توسيع القاعدة العسكرية الأميركية مع قطر التي ستزيد تمويلها لتوسيعها، وزيادة استثماراتها في الولايات المتحدة من (30 مليار دولار إلى 45 مليار دولار) في العامين المقبلين. وإن كانت هذه النتائج المحدودة ليست كافية لحل مُعضلة الشرق الأوسط الحالية.

الحقيقة الواقعة هنا هي أن "وارسو" الحلف والحلفاء، يُعدّ مناورة جديدة للولايات المتحدة بالتنسيق مع حلفائها لتوحيد الجهود الدبلوماسية على المستوى الدولي لفرضِ مزيدٍ من الضغوط على  إيران. وما عَقْد مثل هذا المؤتمر في هذا التوقيت، إلا لزيادةٍ غير مسبوقة من الضغوط السياسية والاقتصادية على نظام طهران، حتى يُصعد التوتّر في الداخل الإيراني لا سيما مع تأزّم الموقف مع الجانب الأوروبي. وما إعلان الولايات المتحدة انسحاب قواتها تدريجاً من سوريا وتحرّكاتها في العراق، إلا ليؤكّد مُضيّ واشنطن قُدُماً في التحالف ضد إيران.

يبقى أن نهج بومبيو المُتشدِّد، من المُرجَّح أن يتمّ الترحيب به في دوائر السياسة الخارجية العربية، حيث يعتقد الكثيرون أن مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان أقل أهمية من تعزيز القوّة الأميركية في منطقةٍ يوجد فيها العديد من حلفاء الولايات المتحدة. فبومبيو لم يُشِر فى خطاب القاهرة إلى حقوق الإنسان، بل إنه ألقى باللّوم على تردّد الولايات المتحدة في استخدام السلطة مع تفاقُم الأزمة المُتصاعِدة في سوريا.

فإلى أين تذهب "وارسو" بالحلف والحلفاء لطرفين هما "بومبيو والشرق الأوسط" ضد إيران؟، وكان الأحق وقف حروب طالت المنطقة بين شام ويمن، وتسبّبت في تشريد ومجاعات لملايين المدنيين العُزَّل.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً