فيصل جلول

باحث لبناني مقيم في فرنسا

الجزائر بين "خريف" بوتفليقة .. و"ربيع" السّم في الدسم العربي

الرئاسيات الجزائرية في نيسان / إبريل المقبل سيودها قلق جدّي بأن يطرق "ربيع الزفت العربي" أبواب الجزائر مجدَّداً، وأن يفضي ذلك إلى مأساة ثانية بعد كارثة 1991 قد تكون لها هذه المرة نتائج خطيرة جداً ليس فقط على مستقبل هذا البلد العملاق ، وإنما على "جيوبوليتيك" المنطقة بأسرها.

 الجزائرُ بينَ "خريف" بوتفليقة .. و"ربيع" السّم في الدَسَم العربي
الجزائرُ بينَ "خريف" بوتفليقة .. و"ربيع" السّم في الدَسَم العربي

تقتضي الحال أحياناً أن نُعيدَ النظرَ في بعض المسلّمات ومن بينها الإستنتاج الشهير ل "هيغل" من أن الشخصيات والأحداث الكبرى تتكرَّر مرتين في التاريخ، وبالتالي إستبعاد الإضافة التي تُنسَبُ إلى كارل ماركس من أن المرة الأولى تكون بصيغةٍ مأساويةٍ والثانية بصيغةٍ هزلية. الإعادة التي أقترحها هي أن الأحداث والشخصيات الكبيرة في العالم قد تتكرّر أكثر من مرتين والتكرار يكون أحياناً كثيرة مأساوياً أو هزلياً وليس مُتناوباً بين الهزل والدراما.
أدخل من هذا الباب للحديث عن الرئاسيات الجزائرية في نيسان / إبريل المقبل حيث يسود قلق جدّي بأن يَطرق "ربيع الزفت العربي" أبواب الجزائر مُجدَّداً، وأن يُفضي ذلك إلى مأساةٍ ثانيةٍ بعد كارثة 1991 قد تكون لها هذه المرة نتائج خطيرة جداً ليس فقط على مستقبل هذا البلد العملاق ، وإنما على "جيوبوليتيك" المنطقة بأسرها.
والقلق المقصود ليس ذريعة لتمرير الولاية الخامسة المُحتَملة للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، كمرور السكين في الزبدة، بل ينجمُ من الخطاب الشعبَوي الديني الذي يسود الحملات الإنتخابية من جهة والخطاب الدفاعي القاطع عن الإستقرار، الذي يتمترس خلفه أنصار الرئيس "المُقعَد" من جهة أخرى.
المأساة الثانية المُحتمَلة في الجزائر قد تتأتّى عن مقدِّمات شبيهة إلى حد التطابق مع تلك التي لاحت عشيّة الانتخابات التشريعية عام 1991 وأفضت إلى ما بات يعرف ب العشرية السوداء. الشخصية الأكثر مَدعاة للقلق في حملة العام 2019 هو الشيخ على بلحاج الرجل الثاني في "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" المُنحّلة والخطيب السابق لجامع القبّة الذي كان المصلّون وراءه يغطّون محيط االمسجد بالآلاف. بلحاج يُلقي اليوم خطاباً مُطابقاً تماماً لخُطَب التسعينات وبعض كلامه يحظى على يوتيوب بأكثر من مليون ونصف المليون مشاهَدة.
يقول الشيخ الشعبوي جداً عن الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة " ليس ولّياً للأمر. هو يحكم بإسم الدستور. وليّ الأمر يحكم بإسم القرآن" ، ويُضيف " أُعطيَ بوتفليقة جائزة بإسم خدمة القرآن وهو لا يخدمه. الذي يخدم القرآن هو الذي ينشره ويسهر عليه ويُشرف على قراءته للشبان". ويضيف " نظام الرئيس بوتفليقة خبيث ويُديره ستون خبيثاً". ويُحرِّض بلحاج صِغار الجنود في الجيش الجزائري على ذوي المراتب العليا إذ يقول" أنا لا أخاف من قايد صالح ( رئيس أركان الجيش ) ولا من الجنرالات وإنما من الله. الجنود الصغار أعرفهم وهم يعملون من أجل الراتِب وليس دفاعاً عن الضبّاط الكبار".
أما الإصلاحات التي تمّت في عهد بوتفليقة خلال العشريّتين الماضيتين فهي غير جديرة بالفخر، فقد أنجز بحسب بلحاج "عشرة آلاف مسكن للمُحتاجين وهذا ليس من أمواله. أنا أقول بأن كل جزائري يستحق فيلا وليس مسكناً" ، في حين تجمع الإحصاءات الداخلية والخارجية على إنجاز ما يُقارب ال "مليون مسكن" مُنِحَت للمُحتاجين وهي مبادرة غير مسبوقه في الجزائر. وهذه حال التطوّرات الأخرى حيث نزلت أرقام البطالة إلى ما تحت ال 10 بالمئة وانخفض مستوى سوء التغذية إلى الربع ومعه حجم الناس الذين يقعون تحت خط الفقر، ناهيك عن التطوّر الأهم ونعني به وضع حد للحرب الدموية وسحب رموزها من الدولة والمعارضة وآخرهم رجل المخابرات الأشهر "توفيق"، في حين ظلّ بلحاج يتنقّل خلال السنوات الماضية بين السجن والحرية إلى أن أطلق العنان لخُطَبٍ أشرنا إلى بعضها وفيها يدعو إلى عودة الجبهة إلى الحياة السياسية ويتحدّى الدولة أن تسمح له بالترشّح في مواجهة أيّ من رموزها.
هذا الخطاب القاطِع والذي لم يتغيَّر عن خُطَب العام 1991 يبعث الخوف والقلق في نفوس القسم الأكبر من الجزائريين الذين انحازوا إلى الدولة في العشرية السوداء ، والذين يتمسّكون بها اليوم مرة أخرى خوفاً من الوجهة التي يلوِّح بها الشيخ بلحاج والتي تبشّر بدولةٍ أخرى غير تلك التي يتحدّث دستورها عن التداول السلمي للسلطة.
ومن أبطال المرحلة الماضية أيضاً الشيخ عبدالله جاب الله الذي ينطق بإسم "حزب العدالة والتنمية" ويوحي ببرنامج أردوغاني تصبح فيه الجزائر"نمراً" اقتصادياً على غرار النمور الآسوية خلال عقدين. ويبدو جاب الله اليوم كما كان في التسعينات ملاذاً لمَن لا يرغب في خطاب بلحاج وتياره الراديكالي، ويحاول عبر خطابه استمالة الدولة العميقة ومؤسّساتها واستدراج ثقة الجيش من دون ان يتعرَّض للدستور، إذ يؤكِّد أنه إنْ انتُخِب لن يبقى أكثر من عهدتين بَيْدَ أن مبادرة جاب الله "الإردوغانية" إن جاز الوصف، لم تحظ بمباركة المعارضة كما تبيَّن من اللقاء الأخير الذي انعقد بدعوةٍ منه وبإشرافه.
بالمقابل تبدو كل مؤسّسات الدولة وكأنها في خطٍ واحدٍ من دون بوادر انشقاق ظاهرة، ذلك أن تأييد ولاية خامسة للرئيس الجزائري شملت حتى الآن أحزاب السلطة وجمعية رجال الأعمال والنقابات وقطاعات واسعة من الناس الذي يؤيّدون الإستقرار ولا يرغبون في الإستسلام لمغامرةٍ أخرى وحربٍ أخرى إن وقعت هذه المرة ستكون الحرب الليبية أمامها بمثابة مزحة عابِرة.
أغلب الظّن أن الجيش الجزائري سيُحافظ على تماسُكه وسيدعم الاستقرار وهذه ضمانة مهمة بالنسبة للخائفين من "ربيع " يُدمِّر بلادهم بإسم الديمقراطية والتنمية المُستَدامة والتعبير الحر... الخ.
لا جدال في أن الجزائر تمتلك كل الوسائل التي تُتيح لأهلها حياة كريمة وغنية بكل المعاني ، وأن المشكلة مُتأتّية من سوء الإدارة والفساد والمحسوبيات. هذا الاستنتاج يُجمِع عليه كل الجزائريين لكن المشكلة الكبرى تكمن في كيفية الإنتقال من الإدارة السيّئة إلى الإدارة الجيِّدة من دون تدخّلٍ خارجي ومن دون مناورات خارجية لتصفية حسابات مع دولة قَهرتْ الإستعمار ولَعبتْ وتلعبُ دوراً مهماً في الصراع مع إسرائيل ، ولعبتْ وتلعبُ دوراً مهماً في الصراع حول النفط والغاز ومصادر الطاقة الأخرى ، وهي في عين العاصفة بسبب سياستها المستقلّة في ما سُمِّي ب "الربيع العربي" والخراب الذي خلَّفه في محيط الجزائر وفي المنطقة بأسرها.
إن اعتقال خليّة تجسّس إسرائيلية وجماعات إرهابية ومهاجرين غير شرعيين خلال الأشهر الماضية، كل ذلك يصبّ الماء في طاحونة الذين يرون أن " خريف" بوتفليقة الواضح أفضل من "ربيع" الخراب الذي يدسّ السّم في العسل.
"بوتفليقة أفضل من الربيع العربي" ؟ قد يبدو هذا الخيار مناسباً لولاية استقرار أخرى تواصل حماية البلاد من المطامع والمؤامرات الخارجية، لكنه لا يُقدِّم حلاً للمشاكل الإقتصادية الكبرى التي تحتاج إلى اصطفاف القوى الجزائرية المختلفة تحت سقف مؤتمر وطني مدني كمؤتمر"الصومام" يُحدِّد فيه الجزائريون وجهة الإنتقال من إقتصاد الرَيْع النفطي إلى اقتصاد وطني متنوِّع. الجزائر لا تحتاج إلى تغيير يقتل فيه التقليديون الحداثيين ولا إلى جهةٍ تستثأثر بالحُكم وتُهمّش جهات أخرى، أو إلى قوى تروِّج للتبعية وتضغط بإسم الأميركي أو الفرنسي أو التركي أو حتى القَطري.. الجزائر بحاجةٍ إلى "نوفمبر" جديد يقول فيه الجميع نريد إنطلاقة اقتصادية جديدة وبلداً مستقرّاً جيّد النماء تسوده العدالة لا إستبعاد فيه لأيٍّ كان بسبب درجة تديّنه أو مُعتقده السياسي أو إنتمائه الجَهَوي.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً