موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

إيران والإزاحة الإسرائيلية للتناقض التناحري

إن التناقض الرئيسي الخاص بنا، هو التناقض التناحري، الصراعي مع العدو الصهيوني، وعلى جبهة رئيسية واحدة هي الجبهة مع هذا العدو. ومن المفهوم أن هذا التناقض يتجلّى في أشكالٍ عديدةٍ تقرّرها التعالقات المختلفة للعدو ودوائر الصراع المرتبطة به.

الإلحاح والإصرار الصهيوني على الخطر الإيراني، كان يربط على الدوام بالإستحقاقات الإقليمية على جبهة دمشق – المقاومة
الإلحاح والإصرار الصهيوني على الخطر الإيراني، كان يربط على الدوام بالإستحقاقات الإقليمية على جبهة دمشق – المقاومة

استكمالاً لمعهد واشنطن، الذي أطلقه اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وصار من المرجعيات الأساسية على طاولة كل رئيس جديد، توافقت التيارات الصهيونية ومؤسّسات دولة العدو في تل أبيب، على تأسيس مؤتمر سنوي دوري، يناقش مستقبل (إسرائيل) وكيف تجدّد نفسها وسط المُتغيّرات الدولية والإقليمية من حولها، ومنها صعود لاعبين إقليميين، أخطرهم بالنسبة لتل أبيب هو اللاعب الإيراني.

هكذا، ومنذ اليوم الأول لهذا المؤتمر (2000)، الذي عُقِد في هرتزليا وصار يُعرَف بهذا الإسم، ظلت إيران إلى جانب سوريا والمقاومة اللبنانية والفلسطينية على رأس قائمة الإستهدافات الصهيونية، بل إن أيّ باحث يعود إلى المؤتمرات (عددها 18) التي عُقِدت حتى الآن، يلحظ حجم الإلحاح والإصرار الصهيوني على الخطر الإيراني طيلة هذه السنوات، والذي كان يربط على الدوام بالإستحقاقات الإقليمية على جبهة دمشق – المقاومة.

ولم تتردّد بعض الصحف الصهيونية من الإعلان أن مؤتمر وارسو الأخير، هو نسخة دولية من مؤتمر هرتزليا.

وكما لاحظ الصحافي الكبير، الراحل محمّد حسنين هيكل، فإن مؤتمر هرتزليا حرص منذ انعقاده على وجود عرب بين صفوفه، في محاولة مُبكرة تدعو لبناء تحالف صهيوني عربي ضد إيران، وكان لافتاً للإنتباه أن هؤلاء العرب لم يقتصروا على عرب كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، بل شارك فيه مسؤولون كبار من مجلس التعاون الخليجي، وذلك قبل السنوات الأخيرة التي اعتبرت أحداثها ذريعة لاتهام إيران بالتدخّل في هذا الشأن العربي أو ذاك.

بَيْدَ أن الأخطر من كل ما سبق هو تسويغ هذه المواقف والسياسات بمُقاربات استراتيجية، تتجاوز الإشكالات المعروفة بين الدول المتجاورة، وتقفز على حقائق التاريخ والجغرافيا لأممٍ عاشت قروناً في الإقليم نفسه، وتنقل الصراع السياسي مع حكم بعينه إلى مستوى الأمم من نمط (الفرس المجوس).

وفي كل ذلك فإن ما يُغيَّب أو يُراد له أن يغيب هو الأدوات المعرفية في تشخيص الظواهر والأحداث السياسية والتعاطي معها وإدارتها وفق قواعد موصوفة، وبهذا المعنى إذا كانت سيكولوجيا الأعماق وراء اختيار الروائي البرتغالي، ساراماغو، العمى كموضوع وعنوان لواحد من أهم أعماله الروائية، فإن العمى السياسي أو هكذا يبدو، وراء هذيانات سياسية طالت قطاعات شعبية واسعة تحت تأثير (نخب) سياسية وثقافية موتورة أو مأجورة، ضاعف منها أنها أقرب إلى أشباه المثقّفين في الغالب، حيث لاتغيب البوصلة بسبب الإحتقانات والهويّات القاتلة، وحسب، بل وبسبب الفقر المعرفي أيضاً..

ذلك أن تحديد العدو من الصديق من الخصم لا يجوز أن يتمّ، هكذا وكيفما اتفق، وبناء على الأهواء والميديا، بل وفق قواعد وقوانين ومُقاربات تقترب أو ينبغي أن تقترب من المعايير العلمية والمقاسات الجدلية مقابل القياسات الصوَرية (الأرسطية) الشكلية الفاسدة..

إن خلط الأوراق والأولويات وتشويه المفاهيم وعموميّتها، هو ما يميّز النُخَب المذكورة ووظيفتها وأجندتها، مما اقتضى ويقتضي هذا التعقيب:

  • لا بد من تحديد دقيق، ما أمكن التوافق عليه للمفاهيم ذات الصلة، ومنها مفهوم العدو والصراع والثورة والمجتمع المدني والإمبريالية والتكتيك والاستراتيجية، والتحالفات في جدليّتها الحركية.
  • لا بد من تحديد الأولويات، حسب المرحلة وأدوات مُقاربتها من الموقع السياسي الطبقي لكل حال.
  • لتحديد الأولويات والمهام الراهنة والاستراتيجية، لا بد من تحديد قوانين التناقضات ومستوياتها وطبيعتها ودلالتها ودرجاتها، الأساسي، الرئيسي والثانوي، التناحري وغير التناحري، العدو والخصم والصديق وبأية دلالة بما فيها التركيبة الإقتصادية الإجتماعية للقوى المعنية، فقانون التناقض الأساسي، هو الذي يحكم كل شعوب العالم مع الإمبرياليات العالمية وعلى رأسها الإمبريالية الإميركية في هذه الحقبة، بعد أن كانت بريطانيا وفرنسا تتناوبان على قمّة الرأسمالية في وقتٍ سابق، وهو ما يعني أنّ أميركا في موقع العدو الأساسي لأيّ شعب وخاصة في العالم الثالث.

وثمّة استدراك هنا، هو أنه ليس كل دولة كبرى إمبريالية، فما يميّز الإمبريالية حسب هيلفردنغ، استحواذها على المصارف والبنوك الكبرى ودوائر البورصة والبيوتات المالية النافذة وما يرتبط بذلك من تصدير للرساميل.

اشتقاقاً من القانون الأساسي للتناقضات، على كل أمّة، أن تشتقّ منه ما يتعلّق بالتناقض الرئيسي الخاص بها، وليس من العلمية والمنطق أبداً اشتقاق أكثر من تناقض رئيسي في الوقت نفسه.

وفي ما يخصّ  الحال العربية، فإن التناقض الرئيسي الخاص بنا، هو التناقض التناحري، الصراعي مع العدو الصهيوني، وعلى جبهة رئيسية واحدة هي الجبهة مع هذا العدو. ومن المفهوم أن هذا التناقض يتجلّى في أشكالٍ عديدةٍ تقرّرها التعالقات المختلفة للعدو ودوائر الصراع المرتبطة به، من الصراع العسكري الميداني المباشر، إلى الصراعات غير المباشرة مع آثار العدو وتجليّاته الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في هذا البلد أو ذاك.

ويُشار هنا إلى ميزةٍ عربيةٍ خاصةٍ في مقاربةِ هذا التناقض، وهو أن الصراع الإجتماعي مع هذا النظام أو ذاك يرتبط أشدّ الإرتباط بالصراع السياسي، العسكري المباشر مع العدو، فالرجعية والتخلّف والطائفية والإقليمية والتبعية هي مظاهر ساطِعة لكل ذلك..

إلى جانب التناقضين، العام لكل شعوب الأرض مع الإمبريالية الإمريكية والأوروبية، والتناقض الرئيسي للعرب مع العدو الصهيوني وتجلّياته المذكورة، بوصفه امتداداً للتناقض الأساسي، هناك التناقض الثانوي  المتبدّل، وفق تشخيص وتحديد المهام المرحلية في كل مرة..

أولاً، بعد تحديد التناقضات الأساسية والرئيسية والثانوية، لا بد من تحديد دقيق للقواعد الحاكِمة واللاعبين في المستويات التالية: العدو، الخصم، الصديق، وفق المعادلات التالية:

معادلة الصراع، ومعادلة الصراع والوحدة ومتى يتغلّب جانب على آخر (الصراع أمام الوحدة) فنكون في الأولى، التناقض الأساسي، محكومين بالضرورة لعلاقة الصراع مع الإمبريالية كعدو، ونكون في الثانية، التناقض الرئيسي، محكومين بالضرورة لعلاقة الصراع مع العدو الصهيوني في تجلّياته المباشرة وغير المباشرة.

أما تشخيص الخصم فيخضع لمعادلة (الصراع والوحدة) معاً وأقرب مثال على ذلك هو تركيا، التي تذهب كل مُعطياتها إلى أنها أولاً، أقل من عدو بحكم التاريخ والجغرافيا، وما يحكمها من تناقضات ثانوية بين الحين والحين مع بعض المراكز الإمبريالية. وثانياً، ليست صديقاً للشعب العربي في سوريا والعراق وغيرهما، وذلك لاحتفاظها بعلاقات اقتصادية – أمنية قوية مع العدو الصهيوني ودبلوماسية تضطرب أحياناً، ولكونها في مُجمل تركيبتها الإقتصادية، جزءاً من المنظومة الرأسمالية العالمية المُعادية لكل الشعوب.

أما المُحدّد السياسي الأخطر لتشخيصها كخصمٍ سياسي، فهو أطماعها العدوانية المُغلّفة بالنفاق والتدليس الطائفي وإعادة إنتاج خطاب الوصاية الطوراني علينا كما لو كنا شعباً من الدرجة الثانية في العقل التركي التتريكي.

ويشار هنا إلى أن تحالف بعض العرب مع الإمبريالية البريطانية والفرنسية ضد الإحتلال والاقطاع  العثماني لا يُعطي صك براءة لهذا الإقطاع الظلامي ولا يبرّر حنين العبيد له.

هذا عن تشخيص العدو (أميركا والصهيونية)، والخصم (جماعة الإنبعاث العثماني من واشنطن)، أما عن تشخيص الصديق فلا يعني بالضرورة وبشكل ميكانيكي أنه محكوم لعلاقة (الوحدة) فثمة جوانب من الخلاف أيضاً ولكن المهم هنا هو أن جوانب الوحدة هي الجوانب الرئيسة في هذه العلاقة، مقابل الجوانب الثانوية للخلاف، وعلى الأطراف المعنية أن تنمّي هذه الجوانب دائماً وأن تحاول تقليص جوانب الخلاف ما أمكن.

ونشير هنا تحديداً، إلى شريكنا في التاريخ والجغرافيا والحضارة والأبجدية، إيران، التي أطاحت بنظام الشاه، شرطي المنطقة والنفط، والحليف القوي لتل أبيب، وحوّلت سفارته في طهران إلى بعثة فلسطينية، فضلاً عن تحدّي المتروبولات الدولية وعلى رأسها الإمبريالية الأميركية في أخطر القضايا بالنسبة إليها، وهي قضية السيادة على المُقدّرات والقرارات.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً