مقالات - رأي

في الحقيقة أن اسم زياد ماجد في هذه القائمة لا يبدو أنه يلبي رغبة أبو ظبي في التمييز بين أكاديمي مستحق، وإنما اهتمام الإمارة بإرضاء المثقف الشيعي اللبناني مكللاً بسمعة من اليسار، معاديًا لحزب الله، والعنف المتحجر للملكيات النفطية، في إسرائيل وحلف شمال الأطلسي، الذين تتماشى رؤيتهم تمامًا مع الخطوط الرئيسية لاستراتيجية الأطلنطي الإسلامي تجاه سوريا.

ما بين فتوى القتل وفتوى المدح، يقف القرضاوي طائفياً في فكره، لا سنيّاً ولا أزهرياً، لأنه إذا كان يعارض الرئيس بشّار الأسد لكونه من الطائفة العلوية، فهو الذي أفتى بقتل الرئيس الليبي "معمّر القذافي"، والمُفترَض أنه من "أهل السنّة"، فقال "من استطاع أن يقتل القذافي فليقتله ومن يتمكّن من ضربه بالنار فليفعل، ليريح الناس والأمّة من شرّ هذا الرجل المجنون".

ربما اختار الأمير السعودي أن يُبعِد تركيا الإردوغانية عن لائحة أعداء بلاده لأسبابٍ تكتيكيةٍ مُتّصلةٍ بقضية خاشقجي، لكن الحُكم الراهِن في بلاد العثمانيين اليوم أصابه مسّ من "الروحانيّة السياسية" هي التي أدّت الى جَمْعِ الشعب والجيش معاً في مُكافحة انقلابٍ مدعومٍ من الغرب، وبالتالي دعم حزب العدالة والتنمية الذي يعمل على تفكيك الإرث الأتاتوركي بهدوء وبعيداً عن الأنظار مُتذرّعاً بحركة فتح الله غولن أو بمُكافحة الإرهاب أو بضروراتٍ اقتصادية.

تطوّرات دراماتيكية هامّة تشهدها العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا في جميع الملفات العالِقة بين البلدين، وعلى رأسها إن لم يكن أهمّها الملف السوري. لغة الشدّ والجَذْب تتصاعد على خلفيّة التسخين في شرق الفرات مُهدّدةً بإمكان انفلات الأمور وخروجها عن السيطرة، وهو ما يتناقض مع الاتفاق الضمني بين سياسة أنقرة وواشنطن حول إدلب وارتياح كل طرف لموقف الطرف الآخر، وكذلك مع عودة تفعيل خريطة الطريق بينهما بخصوص مدينة منبج.

استقبلت بعض مشيخات النفط قيادات صهيونية بشكل علني في الأيام الماضية، كان الأمر قبل سنوات يتمّ في الخفاء، لكنه بات اليوم عَلناً وبلا ذرّة من الخجل العربي المعهود، اللافت للنظر هنا هو حضور المرأة بقوّة في التطبيع العَلَني مع شيوخ النفط، ولعلّ وزيرة الرياضة الصهيونية (ميري ريغيف) ودورها قبل أيام في إمارة أبوظبي وإختراقها العَلَني للوزارات والمجالس وحتى المساجد وبموافقة وحرارة خليجية مُنقطعة النظير؛ لعلّ في هذا النموذج ما يكفي للتدليل على قوّة دور المرأة في لعبة الموساد لإختراق الدول العربية، وبخاصة الخليجية منها والتي يمثل الضعف التاريخي لهم أمام العنصر النسائي سمة مشتركة في كل حياتهم السياسية والاقتصادية.

وبالرغم من الترحيب الصادِر عن الإسرائيليين وبعض الإعلام الخليجي بإعادة فَرْض العقوبات على إيران، إلا أن هذه العقوبات يبدو أنها لن تكون على قدر آمال هؤلاء أو آمال الرئيس ترامب بحيث "تحدُّ هذه الإجراءات من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، أو توقِف برنامجها الصاروخي أو تدفعها إلى تغيير سلوكها.."، بحسب تعبير ترامب وأفراد من إدارته.

لم تفلح العقوبات سابقاً في تغيير الموقف الإيراني فهل عساها أن تفعل اليوم طالما أن القناعة الإيرانية منعقدة على أن المطلوب أمريكياً وإسرائيلياً وخليجياً هو رأس النظام وليس تعديل السلوك الإيراني.. في الحالة الثانية الأمر قابل للتفاوض والنقاش إيرانياً. وفي الحالة الأولى لا مجال للمساومة ولا للتفاوض المسألة هي بقاء أو فناء.

الحقيقة أنه لا يزال تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر يُثير نقاشات حادّة على المستويين الوطني والدولي، ذلك أن التصفية تمّت بالدم والحروب والآلام وهروب الأقدام السوداء، ما طبع مُقاربات هذا التاريخ بالمُغالطات التي جاءت من خلال تشويه أبحاث تاريخية تمّت منذ أواسط القرن العشرين في فرنسا وخارجها.

إن التوجّه العام التركي يبدو واضحاً وهو رفض السكوت عن الجريمة، لكن أردوغان مع حزبه قادران على طمْسِ الحقيقة إن دفعت السعودية ما يفي بحل الأزمة المالية والاقتصادية في تركيا وهو بالتأكيد ما يطالب به سرّاً. إنه الآن يقتل من دون شفقة الكرد وخارج حدوده من دون حياء وكأنه يحارب من أجل أن يرفع على عرش السلطان مثل أجداده قبل أن يموت. وقد تطمس القضية تحت بند: تم اغتياله بأمرٍ من مسؤولٍ في المخابرات من دون عِلم النظام السعودي.

يُطرح إسلاميو تونس اليوم وهم يمثّلون أحد التيارات الأكثر مرونة مع الحداثة والقِيَم الغربية أمام خيارين أساسيين في التعامل مع مطلب تطبيق الشريعة.

الواقع اليوم يتطلّب مراجعة ونظرة فاحصة ودقيقة لكلّ ما جرى لهذه الأمّة خلال نصف قرن مضى، وأخطر ما أوصل هذه الأمّة إلى حافّة الهاوية هو تغييب النخب وانحدار مستوى التعليم والغياب المطلق لمراكز الأبحاث والفكر وعدم إدراك سلّم الأولويات أبداً، فضلاً عن غياب الصدق في القول والعمل. الردّ اليوم على التطبيع يكون من خلال الثبات على المبادئ المحقّة المتعلقة بالحقوق، وإعادة تشخيص واقعنا بشكل سليم وجريء وإعادة الاعتبار إلى النخب والبحث والفكر والثقافة ووضع سلّم أولويات استراتيجية وتكتيكية وطني بامتياز.

إذا كانت الجمهوريات قد استهدفت قبل غيرها، فمصير الملكيات من حيث النتائج الموضوعية ليس أفضل حالاً، مضافاً إلى كل ذلك الأجندة الخارجية وفي مقدّمها الأجندة الصهيونية التي لا تريد سلاماً أو اتفاقاً مع أية قوى لا بيروقراطية ولا ليبرالية، بل مناخات من الكانتونات الطائفية والجَهوية المُتناحِرة في إطار الاستراتيجية الصهيونية الجديدة (مركز إسرائيلي ومحيط من الكانتونات المُتناثِرة على شكل جغرافيا بلا سيادة).

ـَتخرجُ بعض أعمال المقاومة من أوضاعٍ شبه مُقفلة ويائِسة، لا تحملُ وعوداً وآمالاً كثيرة، فتنتزع إعجابنا. وتبدو بعض وسائل الإحتلال للوهلة الأولى، وكأنها لا تقاوم، بسبب جاذبيتها وطابعها المُحايد لكن ضعفها القاتل يكمن في لا أخلاقيّتها. يخرج المرء بهذا الانطباع لدى مُقاربته ظاهرة المقاومة السورية أو العربية (أو الوصفين معاً) في الجولان المُحتل، وهي مقاومة مدنية عموماً، ومُسلّحة جزئياً، منذ نصف قرن، لكنها لم تستأثر بما تستحق من الإهتمام. وهذا يشملنا جميعاً نحن الذين نرفعُ أصواتنا دفاعاً عن المظلومين والمُضطَهدين في العالم، فما بالك بأهلنا الذين يقاوِمون بإرادتهم الصلبة، ويرفضون الخضوع لإجراءات الإحتلال الخطيرة، والجذّابة أحياناً كثيرة، وآخرها الدعوة إلى انتخاباتٍ محلية.

لقد أعطى طه حسين الجرأة للآخرين، في كتابات النقد والتاريخ، مثل علي عبدالرازق الذي نشر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" وزكي نجيب محمود "المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري" وحسين أحمد أمين "دليل المسلم الحزين"؟ وصولاً إلى حسن حنفي ومحمّد أركون ومرتضى العسكري والطيب تيزيني وعبدالله العروي وبرهان غليون وغيرهم.

المزيد