مقالات - رأي

حصار الجمهورية الإسلامية اليوم يختلف عن المرات العديدة الممتدة، فالدولة ثابتة الأركان، واثقة من قدراتها، لديها أسلحة تردّ العدوان، والأهم لها رصيد من الحصار الظالم في الزمن القريب، وانتصرت عليه، بالتعامل العلمي البحت، وكذلك بوحدة الشعب الإيراني.

لا يقتصر هذا التفخيخ الخليجي في اليمن على الجبهة الفكرية الطائفية ولا على الجبهة السياسية والحزبية والاجتماعية ، بل يطاول القبيلة والجغرافيا بالتوازي مع إنهاك البلاد اقتصادياً وإفقاره بكل صوَر الإفقار من نهب موارده والسيطرة على موانئه وجزره ومنابع ثرواته النفطية والغازية ، والتخطيط لجعله حديقة خلفيّة وممراً نفطياً إلى بحر العرب.

براغماتية أردوغان تفتح الباب أمامه اليوم لإعاد بناء الدور التركي إقليمياً في تنافُسه مع إيران في العراق وسوريا وكردستان وفي دول الخليج ودول الطوق وفلسطين.وفي الوقت الذي تحكم فيه العداوة علاقة إيران بإسرائيل وبحلفائها المقبلين، تحكم المنافسة البرغماتية محدّدات السياسة الخارجية التركية تجاه هذين الطرفين اللذين يبحث كل منهما عن إنهاء وجود الآخر.

القبول بالضغوطات الأجنبية لاستعادة موجات من الإرهابيين العائدين من معسكرات العدوان الإرهابي تلفّه ضبابية متواصلة حول الإجراءات الأمنية الاستباقية والإجراءات القانونية وتكتنفه مقاربات معالجة هذا الملف داخل وخارج السجون والعلاقات الديبلوماسية والاستخبارية الثنائية ومتعددة الأطراف مع الدول الشقيقة المتضررة والارتهان لسياسة خارجية تابعة تزيد وفي واقع عدم وضوح رؤية ائتلاف الحكم والتعتيم على سير التعاطي مع كل هذه الملفات وعدم اطلاع التونسيين على أهمها.

ينسب إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه قال ذات يوم عن الحلف الاطلسي"ليس أعطل من التبادل التجاري الحر سوى الحلف الاطلسي" وأضاف عشية انعقاد قمة الحلف الأخيرة " خسرنا العام الفائت 151 مليار دولار في التجارة مع أوروبا ومع ذلك ترانا نمول الحلف الأطلسي بنسبة 70 بالمئة من مجمل ميزانيته "والمقصود بذلك هو العجز الأميركي في الميزان التجاري مع أوروبا.

وتؤكّد المعلومات والحقائق المنشورة أيضاً أن تركيا في عهد أردوغان استضافت مصانع لوك هبد مارتن لتصنيع السلاح للجيش الإسرائيلي في مدينة أدرنه، وهي التي صنعت الصواريخ والرشاشات والدبابات التي دمّرت أكثر من مرة قطاع غزّة ومناطق عديدة في سوريا، وهو عينه أردوغان الذي وقّع اتفاقية تدريب الطيّارين الإسرائيليين بواقع 8 دورات سنوياً لميزة اتّساع الأجواء التركية.

في موقعها الخارق تحتل "طريق الحرير" الصينية الجديدة، ممراً اقتصادياً صينياً- باكستانياً على مدى 3200 كم، ويهدف إلى فتح شي جين بينغ من خلال ربطه بميناء جوادار في بلوشستان بجنوب الصين، من أجل الربط المباشر بين ثاني أكبر اقتصاد في العالم وجنوب آسيا وغرب آسيا.

التجربة السورية في المُصالحات لم تطرح نفسها مثل التجارب السابقة حلاً سياسياً نهائياً للأزمة التي تضرب البلاد وإن كانت تطمح إلى ذلك، إذ ما زال هناك الكثير من العوامل والتعقيدات الداخلية والخارجية التي تمنع ولادة مثل هذا الحل في سوريا. بل يقوم جوهر التجربة السورية على تطويق الأزمة وحصرها تمهيداً لايجاد حلٍ سياسي لها يكون بعيداً عن تأثيرات الأجندات والمشاريع الخارجية.

من المفترض أن تنتهي المعارك في الجنوب السوري وتعود هذه المناطق إلى كَنَفِ الدولة، قبيل اجتماع ترامب وبوتين المقرّر انعقاده في منتصف الشهر الجاري في هلسنكي، والذي من المفترض أن يؤدّي إلى انفراج في العلاقات بين البلدين بشكلٍ عام، كما من المتوقّع أن يتم خلاله تحديد أطر لمسار الحل السوري السياسي، ولمسار المعارك في الميدان السوري.

أصبح مُصطلح التوافق يؤرق غالبية التونسيين، مُصطلح أنجبته إلى الساحة السياسية انتخابات 2014 بعد قرار إستراتيجي لقياديي نداء تونس بالتحالف مع حركة النهضة ما سُمّي في ذلك الوقت بالتوافق، يؤرقهم بالنظر إلى ما آلت إليه البلاد على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

فشلت أميركا في إسقاط الدولة السورية، وفشلت في حماية إسرائيل من حزب الله، وانهار التحالف الأميركي أمام القوى الصاعدة وحلف المقاومة، وبدا الكل أمام الصمود السوري يستنجد بالماضي وحدوده، والاعتراف بأن الكل نزل مهزوماً أمام سوريا والمقاومة من أعلي الشجرة تحت لعنة التاريخ السوري ولعنة الجغرافيا في سوريا. وصدق شكسبير حين قال"فإن الأمر ليس إلا ضجّة من لا شيء...".

ظاهرة مثيرة وتحركات ليست معتادة من الحكومة الفرنسية بشأن الأزمة اليمنية. لقد كان المؤتمر الإنساني حول اليمن محاولة فرنسية لإيجاد حلول سياسية لصراع معقد تدور رحاه في اليمن منذ أكثر من 3 سنوات بحسب تعبير إيمانويل ماكرون. ولكن بعد الهجوم على مدينة الحديدة، هَوَت طموحات الحكومة الفرنسية إلى الدرك الأسفل، وعادت الشكوك حول الدور الفرنسي في الملف اليمني تظهر من جديد.

كانت المعركة الإعلامية بأهمية المعركة العسكرية والسياسية وانتصر بها الإعلام الوطني، والصديق، والحليف على مصادر الكذب وأدوات التلفيق والافتراء والخيانة، ولكن وقبل وخلال كلّ معركة من حلب إلى دير الزور إلى الغوطة إلى ريف حمص ومن ثمّ إلى الجنوب وما بعده نسمع للأسف أصواتاً ما زالت تؤمن بالحرب الدعائية الشنيعة التي يخطط ويروج لها الأعداء والخونة بحيث تصبح هذه الأصوات، من حيث تدري أو لا تدري جزءاً من هذه الحرب ضد مصالح بلدها وشعبها.

في ظل هذه الأجواء المحفوفة بأزمة إقتصادية لا ينكرها أحد، يبرز مشهد آخر يُظهر توافقاً داخلياً على إيجاد حل سريع وينبأ هذا الأمر بإمكانية عودة الإستقرار إلى الأسواق بوقت قياسي خاصة وأن الحكومة تؤكد أن البنك المركزي لا يعاني من نقص في احتياطي العملة الأجنبية ولا في احتياطي القطع الذهبية التي يتم تداولها في الأسواق المالية، وبانتظار عبور هذه المرحلة يبقى التحدي الآخر مواجهة العقوبات الإقتصادية الأميركية.

هل تكفي هذه الاستراتيجية الصهيونية المُزمنة، ودور اللوبي في واشنطن لتفسير ما رعته الولايات المتحدة من تدمير لدول المنطقة ، بعد أن برهن احتلال العراق، بعد حرب لبنان، أن الحرب بالوكالة أقل كلفة وأن ما تؤدي إليه من تدمير ذاتي أكثر فاعلية؟ وكذلك لموقف دونالد ترامب الأخير من الاتفاق النووي الإيراني؟ أم أن هناك اعتبارات داخلية ودولية أخرى تلعب دورها في الصراع الدائر الآن ؟

}