مقالات - رأي

كانت لافتة عودة الادّعاء في المحكمة في مرافعاته الختامية للإشارة إلى أن "النظام السوري في صلب مؤامرة اغتيال الحريري"، عِلماً أن هذا الاتّهام كان قد سقط منذ عام 2009، ولم يتم ذكره منذ عام 2011 حين صدر القرار الاتّهامي لدانيال بلمار واتّهم فيه صراحةً عناصر من حزب الله بالقيام بذلك الاغتيال، مستنداً إلى دليل "داتا الاتصالات" الضعيف، والذي أثبتت لجنة الاتصالات البرلمانية في مجلس النواب اللبناني أن الاتصالات في لبنان مُخترّقة من العدو الإسرائيلي.

كانت اللغة تتحدّث عن احتلال الصهيونية لأرض فلسطين، فصارت تتقبّل مصطلح العودة. حقوقياً الفارق شاسع. الاحتلال دواؤه القانوني المقاومة والنضال حتى التحرير، وأما "العودة" إلى أرض الميعاد، فدواؤها قبول الآخر واقتسام الأرض على هيئة دولتين. الاحتلال يتعاطى عادة مع مواطنين، أما "العائدون" فيتعاطون مع سكان غزّة وسكان الضفة وسكان عرب إسرائيل!!.

تتساقط الأقنعة في الموقف حول إدلب، وتتكشف الأمور عن رهانات تتجاوز المشهد السوري نفسه إلى المشهد الإقليمي والعالمي. ويحضر في التجاذبات حول إدلب اليوم أمور تتعلق بروسيا وأميركا وإيران وحزب الله والنفط والغاز واللاجئين والكرد وإسرائيل وطبيعة الدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب، فيما "تغيب" إدلب نفسها عن الأجندة الفعلية لدى فواعل الأزمة، أو أنها تحضُر بوصفها عنوان أو قناع لا أكثر!

ارتبكت الحكومة السعودية، بسببِ الطلبات التي طلبها جهيمان والقحطاني، والتي من ضمنها تنازل الأسرة السعودية عن العرش، وتشكيل أهل حلّ وعقد لاختيار خليفة أو مَلك، وطرد كل غير المسلمين من أرض جزيرة العرب، وقطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، وإعادة توزيع الثروة، وهي الطلبات المعلومة، ولكن لا يتحدّث أحد عنها حتى اليوم، نظراً للحساسية الشديدة التي ربما تُشكّك في شرعية ملوك السعودية، ومن ثم تمّ التعتيم على المطالب السياسية لجهيمان ومَن معه.

كل هذا يُنبئ بتصاعُد التوتّر بين الإمارات ودول القرن الإفريقي التي كانت الإمارات تستغلّها اقتصادياً بالاستثمار في موانئها، وأمنياُ بمُحاصرة اليمن. فهل يتم ذلك؟ أم أن الإمارات تواجه فشلاً ذريعاً هناك، وبدأ الحصاد في جيبوتي، وقبلها الصومال؟. خاصة وأن الموقف سبق أن تكرّر في آذار/ مارس الماضي، حيث قالت موانئ دبي العالمية، إنها ملتزمة مشروع الميناء في أرض الصومال على الرغم من قيام الصومال بحظر عمل الشركة في البلاد.

بما أنّهم لا يفصحون عن تاريخهم العدواني إلا بعد حين فعلينا اليوم أن نقرأ ما بدأوا بنشره عن جرائمهم في العراق وأن نقيس عليه ونستنتج ما هي أهداف خططهم "الجديدة" في سوريا وما هو السيناريو البديل الذي يعدّونه بعد أن شاهدوا قرب نهاية أدواتهم الإرهابية وأصابهم الذعر وعبّروا عنه في حالة من الهيستيريا كان يجب أن تكون محطّ سخط وسخرية شعوب العالم أجمع.

الكل في العالم من السياسيين أصبح يمارس الكذب وبالوثائق، والحقيقة أمامه واضحة وحجّة عليه.. أفلاطون قال"سقراط عزيز عليَّ لكن الحقيقة أعزّ منه"، وهؤلاء قالوا الحقيقة غير مُمكنة في الادّعاء الكيماوي ضد سوريا لكن  ترامب أعزّ منها.

مع عودة إدلب إلى حضن الدولة السورية، سيكون سقف التنازلات السياسية التي سيقدمها الرئيس السوري متواضعاً للغاية، ولن يصل في كل الحالات إلى تنازلات طائفية وإثنية من النوع الذي تطالب بها الدول الغربية. وإن تم ذلك فإن الحرب السورية تكون قد ختمت بالحل العسكري على الطريقة الجزائرية وذلك بخلاف كل التوقّعات التي قالت ألا حلّ عسكرياً للأزمة السورية.

أن أرادوا من احتلال عاصمة عربية أخرى، هي بغداد وتحطيم العراق وتمزيقه إلى كانتونات طائفية، ومن العدوان على سوريا وحشد كل القَتلَة والمرتزقة في العالم، اقتطاع أجزاء منهما (الأنبار وحوران) وضمهما إلى كونفدرالية الأقاليم المُبعثرة في الأردن والضفة الغربية في إطار مشروع هرتسليا (الأردن الكبير)، كان للمقاومة العراقية، ولسوريا، الجيش والشعب والقيادة، الكلمة الفاصلة، فسقط المشروع واستدار مهندسوه جنوباً إلى البحر الأحمر وما يُعرَف بوادي السلام ومشروع نيوم وكل ما يتعلق بصفقة القرن.

قلق فرنسا من هذه المساعي كما تقلق واشنطن والدول الغربية، بسبب انتزاع "مسمار جحا" من سوريا والمنطقة الذي وفّر لهذه الدول طيلة سنوات ارتكاب الخطايا التي لا تُعَد ولا تُحصى تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب".

وفي السياق ذاته، أكد محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "يديعوت أحرونوت"  أليكس فيشمان، أن هذا التعاون بين السعودية وإسرائيل يأتي في سياق إقامة حلف عربي إسرائيلي ضد إيران وحلف المقاومة، في المرحلة الأولى لا يتحدّث الأميركيون عن حلف دفاعي إقليمي في الشرق الأوسط على شاكلة حلف شمال الأطلسي، بل إنهم يؤكدون إنشاء تعاون بين هذه الدول في مجال تبادل المعلومات الأمنية والتقديرات واللقاءات.

في سيرة التنظيم تجربة من شأنها زيادة المخاوف من موضوع عودته، إذ كان التنظيم قد تعرض لهزيمة ساحقة على يد "الصحوات" بين العامين 2007 و 2009 ولم يبق من مقاتليه سوى بضعة مئات كانوا شبه مشردين في صحراء الأنبار.

يُدرِك الأميركيون جيّداً أن اجتثاث النفوذ الإيراني من لبنان بات من المستحيلات، لذا فهم يقاتلون عبر حليفهم السعودي وأصدقائهم في لبنان، ساعين إلى إخراج لبنان من دائرة النفوذ الواقعي "الأميركي - الإيراني" المُشترك، وجرّه إلى مكانٍ يتقلّص النفوذ الإيراني فيه إلى أدنى مستوى وتوسيع نفوذ الأميركي - السعودي فيه إلى أقصى حد.

لم تكن أحداث الانقسام الفلسطيني والصدام المسلح في منتصف عام 2007 إلا امتداداً لحالة الصراع بين برنامجين، وإن كان ظاهر الخلاف اشتد بسبب مكونات الحكم والسلطة بعد انتخابات عام 2006، فبذور الخلاف تصاعدت مع الخلاف على البرنامج السياسي ومسار التسوية للرئيس عباس.

ولا يمكن التسامُح لمن يُريد للشأن القبطي أن ينشق على نفسه، وإذا كنّا نهاجم الإرهابيين من الوهّابيين السلفيين، فلا بدّ من نفس المنطق لا نسمح لمُتشدِّدٍ في الكنيسة أن يُملي إرادته على جموعِ الشعب القبطي، وعلى البطريرك بصفةٍ خاصة، داخل مصر أو خارجها.

المزيد