حياة الحويك عطية

كاتبة وباحثة، خبيرة في الإعلام السياسي

قضية البتراء؟ لماذا الآن؟

مُلاحظات تُثيرها كلها القضية التي تفجَّرت منذ أسبوعين حول فيلم "جابر" الذي كان يتمّ تصويره في مدينة البتراء، كون المضمون الحقيقي الذي يحمله هو الإيحاء بما يُسمَّى حق اليهود التاريخي في مدينة البتراء بناء على ادّعاءات أثرية، ومع تفجّر قصّة الفيلم تفجَّرت أيضاً قصة ما سُمّي ب " مقام هارون". لتثار في الإعلام الغربي قصة إغلاق السلطات الأردنية لهذا المقام المزعوم في وجه مَن سمّوا ب "الحجّاج اليهود".

قضية البتراء؟ لماذا الآن؟
قضية البتراء؟ لماذا الآن؟

"كان الدافِع على القيام بهذه الحفرية هو إثبات أن أمّ البيارة هي سالع المذكورة في التوراة، لكن ذلك لم يتحقّق ولم يتيّسر الحصول عليه، بل إن الفخار الذي اكتشفناه هو متأخّر بما لا يقل عن مئة سنة عن رواية التوراة. وجدنا قرية أدومية كبيرة لم نكشف إلا ربعها، كانت مسكونة على الدوام – على عكس ما كنا نعتقد – حياة سكانها واضحة، مُتحضّرة.... استمر تفريغ المخازن من محتوياتها يومين .... ختم مَلَكي كُتِب عليه بالخط الفينيقي المائِل إسم "قوس جابر"، أحد ملوك الأدوميين الثلاثة، الذين حكموا في القرن السابع ق.م، والمذكورين في السجلات الآشورية". (كريستال بينيت / مجلة أخبار لندن المُصوَّرة، لندن 1966).

"غرض الجمعية: البحث، في آثار الأرض المُقدّسة وطوبوغرافيتها وجيوجوليتها وجغرافيتها وعادات سكانها وتقاليدهم، لأجل إيضاح التوراة". (وثيقة تأسيس (Palestine exploration fund society عام 1865). 

"عمل الجمعية تكمن أهميته في إيضاح الكتاب المُقدَّس والدفاع عنه". (وثيقة تأسيس جمعية (American Palestine exploration society) 1910)

" كلما كنت أذهب مُستكشِفاً في وادي الأردن ووادي عربة وشرق الأردن والنقب، كنت أستعمل التوراة كدليلٍ واثقٍ ثقة مُطلقة بمعلوماتها وحتى تلميحاتها". (نلسون جلوك، مُنقّب الفخاريات).

عندما سُئِل وايزمن لماذا استقرّ اختيار الحركة الصهيونية على فلسطين بعد تأرجح بينها وبين أوغندا والأرجنتين، رغم تمتّع الأخيرتين بميزاتٍ تفضيلية، أجاب: إنها قوَّة الأسطورة. 

بهذه الأسطورة شحن يهود العالم وضمن انحياز العالم اليهو- مسيحي في الغرب، وكثيراً ما أخرس العالم الإسلامي والمسيحي الشرقي. وضاعت فلسطين. من دون أن يعني ذلك إننا نهمل أهمية العناصر الحقيقية الكامِنة وراء إقامة الدولة العبرية ودعمها غربياً والآن شرقياً، بما يناقض مصالح شعوب المنطقة ونهوضها.

ومن دون أن يعني ذلك القبول بمنطق بناء الحق الوطني على أية ادّعاءات دينية، فطالما توزَّعت الأديان المُختلفة على كل بقاع الأرض. فهل أن وجود الأماكن المُقدَّسة في الحجاز، رغم حقيقيته، يُعطي حقاً وطنياً لمسلمي الأرض في الدولة السعودية؟ الحق الوطني يُبنى فقط على وجود الكتلة البشرية بتعدّدية مكوّناتها وتعاقُب أجيالها، على بقعة جغرافية واحدة، تتشكَّل عليها الحضارة والثقافة والخصوصية الوطنية، وتتشكَّل الهوية الوطنية الجامِعة. وبذا تتماهى فيها المصالح العليا الضامِنة للمصالح الفرعية. لكن إسرائيل كانت وحدها، على امتداد العالم من قلب هذه المسلّمات السوسيولوجية لتجعل من العنصرية الدينية أساساً لحق وطني فُرِضَ بالقوّة وبمصادرة حق شعب ألفي مستقر. وذاك ما عناه وايزمن ب " قوّة الأسطورة".

لذا لن تكون أزمة البتراء الأولى ولا الأخيرة في الأردن. بمعنى آخر لن تكون الادّعاءات التوراتية في المواقع الأردنية بشكلٍ خاص (وغداً العراقية والسورية واللبنانية والمصرية) إلا سند حق يتحوّل من وَهْمٍ الى واقعٍ كما حصل في فلسطين.

هذه الحقيقة الخطيرة انتبه إليها عدد قليل من علماء الآثار المعنيين بالمنطقة وحاولوا التصدّي لها، وكان في مقدّمهم الدكتور محمود أبو طالب الذي غادرنا قبل أشهر في كتابه الشهير "تاريخ الأردن وفلسطين في العصور القديمة"، بدءاً من الانتباه إلى نصّ وثائق إنشاء الجمعيات الأثرية التي جاءت لتعمل في الأردن وفلسطين منذ القرن التاسع عشر. حيث وردت المُقتطفات التي ذكرت أعلاه. وكنت قد بنيت عليها في مقدّمة كتابي " اكتشاف الوطن – الأردن علامات فارِقة"، وهو عمل بدأته عام 1981 واكتمل ونُشِرَ عام 1986. صيغ بأسلوب أدب الرحلات الموثّق، وكان الهدف الحقيقي منه هو الردّ على الادّعاءات الصهيونية في آثار الأردن، من خلال تقارير المُنقّبين ومراجع الباحثين واستشارة الأخصائيين ومقارنة النصوص مع وقائع وإحداثيات الأرض. وذلك ما قادني إلى أكثر من موقع على الأرض الأردنية تُهيمن على روايته رواية توراتية لا سَنَدَ علمياً لها على الإطلاق، ولكنها مُهيمنة. ولعلّ السِمة العامة المشتركة بين هذه المواقع أن معظمها خضع لأعمال تنقيبٍ على يد هذه البعثات الأجنبية وعندما كشفت أعمال التنقيب عن دلائل تكذب الرواية التوراتية، انكفأ المُنقّبون عنها بانتفاء الغاية من نبشها، بل وطمسوها أو استمروا في ترديد الخُرافة غير عابئين بالحقيقة.

 وذلك لعدَّة أسباب: الأول أنها الأسطورة التي لا تحتاج إلى برهان العِلم، والثاني أن الفَهْمَ العربي للسياسة لا يشمل إلا السياسة المباشرة، وإذا تعدّاها ففي أحسن الأحوال إلى الاقتصاد، أما خلفياتها الثقافية فعُمق لا يبلغه ألا الندرة. والثالث أن علماء الآثار والنشطاء السياسيين والإعلاميين المحليين (في الأردن وغيره) لا يدركون أهمية التصدّي لهذا البُعد الخطير. وطالما اتّهمنا – نحن القوميون الاجتماعيون – بالتاريخيانية لأننا نركَّز باستمرار على هذه القضية. والرابع – وقد يكون الأهم – هو حال الانفصام الاغترابي بين الأكاديميين والباحثين والعلماء من جهة، والاستراتيجيات السياسية المصيرية، حيث تتجسّد وظيفة البحث العلمي في الجامعات، غالباً، في درجات الترقية وحضور مؤتمر هنا وهناك، لتغيير جو، أو لإقامة علاقات مع مؤسّسات ودوائر أجنبية لا تسمح لك بتوظيف بحثك لخدمة قضاياك الوطنية، خاصة ما تعلَّق باليهودية الصهيونية.

مُلاحظات تُثيرها كلها القضية التي تفجَّرت منذ أسبوعين حول فيلم "جابر" الذي كان يتمّ تصويره في مدينة البتراء، كون المضمون الحقيقي الذي يحمله هو الإيحاء بما يُسمَّى حق اليهود التاريخي في مدينة البتراء بناء على ادّعاءات أثرية، ومع تفجّر قصّة الفيلم تفجَّرت أيضاً قصة ما سُمّي ب " مقام هارون". لتثار في الإعلام الغربي قصة إغلاق السلطات الأردنية لهذا المقام المزعوم في وجه مَن سمّوا ب "الحجّاج اليهود".

الغريب أن الادّعاءات التوراتية في البتراء قد حُسِمَت منذ عام 1966 وعلى يد بعثة أثرية بريطانية، ترأستها العالِمة المُنقِّبة كريستال بينيت، جاءت لإثبات أن أمّ البيارة هي صخرة سلع الواردة في التوراة مع ما حولها من أسطورة أماسيا ورمي الأسرى الأدوميين – كما قالت هي.  ومن ثم مُنقّب آخر هو الأب ستاركي الذي جاء ليثبت أن طويلان هي تيمان الواردة في التوراة. الإثنان توقّفا عن التنقيب عندما أثبتت الحفريات أن ما ورد في التوراة عن الموقع لا أساس له من الصحة. بل وأن التنقيبات جاءت مُطابقة ومؤكّدة للسجّلات الحولية الآشورية، ومؤكّدة على استمرار الحياة الأدومية حتى الأنباط في المواقع المذكورة. وعليه عادت بينيت إلى بلادها ونشرت تقريرها في مجلة أخبار لندن المصوّرة ومن ثم في مجلة (revue biblique) . أما الأب ستاركي فحلّ الإحراج بالقول إن إسم تيامان قد لا يكون إسم موقع بل إسم مقاطعة. أما مقام هارون فهو مجرّد مبنى حديث لا يستند إلى أي سند أو أثر تاريخي. (هذا عدا عن أن قصة اكتشاف بيركهارت للبتراء هي مجرّد أسطورة كاذِبة أخرى، حيث أن هذا الجاسوس اعترف في مذكّراته بأنه جاء إلى مدينة معروفة وفي يده كتاب بالإنكليزية عنها)

تفاصيل هذا الموضوع عالجتها في كتابي المذكور الصادِر في طبعته الأولى عام 1986 والأخيرة عام 2015 بدعمٍ من وزارتيّ السياحة والآثار والثقافة الأردنيتين. مُستندة إلى مراجع مُتعدِّدة غربية وعربية. خاصة تقارير المُنقّبين والبعثات. وهي المُعالجة نفسها التي تناولت بها جبل نبو، وموقع حسبان جنوبي الأردن ومقبرة باب الذراع، وحتى جبل القلعة في عمان، الخ.....

لم أكتشف شيئاً، فأنا لست مُنقّبة وإنما باحِثة مرجعية وميدانية عادت إلى ما كان موجوداً وموثّقاً ومعروفاً، جمعت ووثّقت وقارنت بهدف دقيق وواضح. ووجدت العِلم ينصف ويحسم حتى على لسان الغربيين أنفسهم.

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا يتمّ تجاوز كل ذلك وتُثار مسألة البتراء على يد الصهاينة الآن، بعد أن حُسِمَت على يد العلماء البريطانيين والإيطاليين منذ أكثر من نصف قرن؟ وما علاقة ذلك بتهويد القدس ومطالبة الأردن بالوصاية على الأماكن المُقدّسة فيها؟ بصفقة القرن بشكل عام؟ بالوطن البديل الذي رفع فزّاعة بوجه الأردنيين لتتكشّف الأمور على أنه قد يصبح وطناً بديلاً للإسرائيليين والصهاينة فحسب؟ ماذا عن هذا الموضوع في اتفاقية وادي عربة، هل إن الإسرائيلي قد وضع بنداً ما احتياطياً لهذه الغاية في مجال الثقافة والسياحة والآثار، في غفلة من الطرف الآخر عن أهمية الموضوع؟ متى سينتبه الأردنيون والسوريون واللبنانيون والعراقيون والمصريون إلى خطورة التغاضي عن الادّعاءات التوراتية، خوفاً أو إهمالاً أو جهلاً؟

وكم من المواقع والأساطير في جراب الصهيوني سيشهرها في وجهنا كلما دعت الحاجة.  عِلماً بأن هناك جهوداً بحثية جيّدة في العراق وسوريا ومصر وفلسطين، إلا أن تعميمها على الوعي الجَمْعي العام ما زال محدوداً في وجه الخُرافة التي يسوّقها الدين مرة والإنتاج الفني الشعبي مرة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً