حسن لافي

كاتب فلسطيني مختص بالشأن الإسرائيلي

غزَّة المُحاصَرة تُحاصِر "إسرائيل"

أمام هذا المشهد المَلحمي الذي تقدّمه غزَّة رغم كل جراحاتها ورغم كل مآسيها، إلا أنها استطاعت أن تصنع من نفسها حارِس المشروع الوطني المقاوِم المُحاصِر للمشروع الصهيوني ذي الطبيعة التوسّعية.

غزَّة المُحاصَرة تُحاصِر إسرائيل
غزَّة المُحاصَرة تُحاصِر إسرائيل

ألقى الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الأستاذ زياد النخالة خطاباً ثورياً في ذكرى انطلاقة حركته الـ32، أوضح فيه مواقف حركة الجهاد تجاه عدد من القضايا على الساحتين الفلسطينية والإقليمية.

ولكن ما أثار اهتمامنا بحديث الأستاذ النخالة طرحه لفكرة (أن غزَّة المُحاصَرة تُحاصِر إسرائيل). من حيث المبدأ الأيديولوجي ليس غريباً على حركة الجهاد ذات المرجعية الإسلامية أن يتحدَّث أمينها العام بهذا المنطق المليء بالأمل والعُنفوان الثوري، المُتطابِق مع نهج القرآن الكريم بقوله تعالى: "إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ"، لكن على أرض الواقعية السياسية هل حقاً غزَّة المُحاصَرة استطاعت حِصار إسرائيل بما يحمله ذلك من دلالاتٍ على تطوّرات الصراع مع دولة الاحتلال؟.

قدَّم الجنرال "درور شالوم" رئيس شعبة الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" قراءة استشرافية للمشهد الفلسطيني في غزَّة أن "أية معركة عسكرية جديدة ضد المقاومة في قطاع غزَّة لن تُضيف شيئاً جيداً لإسرائيل، ولن تكون بعدها أكثر قوّة، فكل ما سيحدث في نهاية المواجهة أن يعود الجانبان، إسرائيل والمقاومة، إلى النقطة ذاتها التي نجد أنفسنا فيها اليوم". بمعنى آخر يعترف شالوم أن "إسرائيل" بكل ما تملكه من ترسانة عسكرية لا تملك حلاً عسكرياً للمقاومة في غزَّة، التي بمقاومتها جعلت من قوَّة الردع الإسرائيلي درّة تاج العقيدة العسكرية الصهيونية تتآكل أمام صواريخ غزَّة، التي أسقطت الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ دولة الاحتلال، وأجبرت أفيغدور ليبرمان وزير الحرب الأكثر فاشية أن يعترف خلال مؤتمر صحافي على الهواء مباشرة أن حكومته فقدت قوّة الردع أمام تعاظُم قوّة المقاومة في غزَّة بدءاً من الأنفاق مروراً بالصواريخ  وصولاً إلى الحوّامات المُسيَّرة.

استطاعت غزَّة أن تخرج بمشروعها المقاومة عن نطاقها الجغرافي المحدود، لتتحوّل في ذهنية الأمن القومي الإسرائيلي إلى جبهة اشتباك حقيقية تخشى "إسرائيل" أن تتّحد مع باقي جبهات محور المقاومة  للإطباق عليها.

وتعتبر "إسرائيل" أن الهجوم من كل الجبهات يشكل خطراً استراتيجياً عليها، بل أكثر من ذلك باتت قيادات كبيرة في الجيش الإسرائيلي تُصرِّح أنه إذا تمّ إطلاق الصواريخ من كل الجبهات على تل أبيب من الممكن أن تعود إلى العصر الحجري وعندها لا معنى للبقاء في "إسرائيل".

غزَّة على المستوى السياسي حاصرت نتنياهو الساعي إلى إحداث كيّ للوعي العربي، بحيث تتحوَّل "إسرائيل" إلى صديقة وحليفة للعرب في العقل العربي، من خلال إقفالها أبواب شَرعَنة التطبيع العربي مع "إسرائيل"، رغم أن الكثير من العرب باتوا يرغبون بقيام علاقات طبيعية مع "إسرائيل"، لكن بقاء غزَّة على خط المقاومة ضد "إسرائيل"، جعل العرب يخشون من الكشف العلني عن علاقات طبيعية مع الاحتلال، فغزَّة المُحاصَرة تُحاصِر كل المُطبّعين والمُنسّقين والمُتعاونين مع الاحتلال، فإما أن تكون مع غزَّة ومقاومتها، وإما أن تكون شريكاً في صفقة القرن.

أما على المستوى الحضاري، فقد كرَّست غزَّة تمسّك الفلسطيني بحق العودة عمود خيمة الثوابت الفلسطينية، ومدار الرحى في السردية الفلسطينية وتغريبتها، من خلال مسيرات العودة وكَسْر الحِصار، بحيث باتت الرواية الصهيونية مُنعزِلة أمام الرأي العام الشعبي في العديد من عواصم العالم ومؤسّساته الدولية.

أمام هذا المشهد المَلحمي الذي تقدّمه غزَّة رغم كل جراحاتها ورغم كل مآسيها جرَّاء الحِصار المستمر والحروب المُتعاقِبة، إلا أنها استطاعت أن تصنع من نفسها حارِس المشروع الوطني المقاوِم المُحاصِر للمشروع الصهيوني ذي الطبيعة التوسّعية ليس فقط على مستوى الأرض الفلسطينية وحسب، بل على مستوى مفهوم الأمّة بشموليّته.

 

  


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً