ديمة ناصيف

كاتبة إعلامية ومديرة مكتب الميادين في دمشق

ما بعد كمين السوخوي

تشغيل منظومة صواريخ "أس ٤٠٠" المضادة للطائرات رسالة مهمة جداً بأن السماء السورية باتت محرمة على الاتراك، وأن العمليات الجوية وبنك الاهداف أصبح دون قيود. ويشكل هذا عنصراً استراتيجياً قد لا يكون دائماً، لكنه يعزز عمليات الجيش السوري والمقاتلات الروسية.

منظومة صواريخ "أس ٤٠٠" المضادة للطائرات رسالة بأن السماء السورية باتت محرمة على الاتراك ( أ ف ب)
منظومة صواريخ "أس ٤٠٠" المضادة للطائرات رسالة بأن السماء السورية باتت محرمة على الاتراك ( أ ف ب)

أولاً: على المستوى العسكري، أدى الكمين إلى صدمة لدى الروس، وهو ما دفعهم إلى تعزيز الاجراءات الدفاعية التي ستغير كلياً مجرى المعارك في الشمال السوري، من خلال تشغيل منظومة صواريخ "أس ٤٠٠" المضادة للطائرات. وهي رسالة مهمة جداً بأن السماء السورية باتت محرمة على الاتراك، وأن العمليات الجوية وبنك الاهداف أصبح دون قيود. ويشكل هذا عنصراً استراتيجياً قد لا يكون دائماً، لكنه يعزز عمليات الجيش السوري والمقاتلات الروسية. 

بالاضافة إلى منظومة أس ٣٠٠ التي يحملها الطراد "موسكوفا" في المياه الاقليمية السورية، هناك تغيير نوعي وكبير في طبيعة المواجهة وفي ميزان القوى. يجب التذكير أن هذه المنظومة التي تتفوق على كل منظومات الدفاع الجوي، من الباتريوت وغيرها، كانت دمشق تسعى للحصول عليها منذ سنوات، وتم تجميد الصفقة، واليوم تنتشر ربما لحماية العملية الروسية، لكن بقاءها سيكون مرهوناً بطبيعة الحل السياسي وبالتطورات الميدانية. كما أن هذه المنظومة ستنتشر أيضاً في المنطقة الوسطى مع وصول الروس إلى مطار الشعيرات وربما إلى مناطق أخرى .

ثانياً: سقط التنسيق التركي - الروسي الذي ساد خلال ٥٥ يوماً من الدخول الروسي في العمليات العسكرية في سوريا ضد الإرهاب، يجب أن نتذكر ما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن موسكو طُعنت في الظهر، وأنه من دون ضمانات تركية لم تكن للسوخوي أن تحلق بأمان من دون حماية في تلك المنطقة، وأن الاتراك خانوا تلك الضمانات، وهذا يعود بالفائدة على دمشق، لأنه يوضح خريطة المعارك، ويخفف أي ضغوط عليها للمشاركة في أي عملية سياسية تشارك فيها تركيا، وتمنح المزيد من الوقت للانجازات الميدانية.

إن سقوط هذا التنسيق يعني أيضاً أنه لم تعد هناك أي مجموعة في الشمال السوري تتعامل مع الاتراك بمنأى عن الضربات الروسية، سواء كانت معتدلة أم غير معتدلة، كما أن مشروع المنطقة الآمنة التركية بكل صوره البرية أو الجوية، لم يعد قابلاً للتحقق. ويرجح أن العملية الروسية مرشحة لتمتد أكثر مما كان متوقعاً لأن الجانب السياسي منها، أي فيينا، قد تعطل بفعل التوتر بين الروس والاتراك وهم لاعب رئيسي في هذه العملية.  

لا يوجد توقيت في الحقيقة، لكن كان هناك فرصة اغتنمها الاتراك لاسقاط السوخوي، والتقرير الروسي عن العملية يقول بوضوح إن الرادارات التركية رصدت  الطائرة لمدة ٢٠ دقيقة فوق جبل النوبة، حيث تتمركز جماعات تعمل مع "جبهة النصرة" و"الحزب الاسلامي التركستاني"، لذلك اغتنم الاتراك فرصة وجود قاذفة غير مقاتلة في مرمى طائراتهم واتخذوا قراراً بضربها، بعد فشل الاحتجاج الدبلوماسي، واقتناع الاتراك أن مجموعاتهم على حافة الهزيمة، لذلك كان لا بد من التصعيد ثم الاحتماء بالناتو.

ويجب العودة إلى ما قبل أسبوعين عندما استدعى الاتراك السفير الروسي في اسطنبول وقدموا احتجاجاً على قصف طائرات روسية لقرى تركمانية في جبل التركمان. الاحتجاج التركي لم يوقف الغارات التي استمرت واستمر معها تقدم الجيش السوري في هذه المنطقة الاستراتيجية، التي تخطط اسطنبول لإقامة منطقة آمنة أو التدخل فيها برياً، في ظل بيئة حاضنة، كان الجيش السوري يقوم لمحاصرتها، وتحييدها عسكرياً. وهي أقلية تمّت عسكرتها من قبل اسطنبول بشكل واسع، فيما يسمى ألوية محمد الفاتح أو المهاجرين أو مراد الرابع. 

تستفيد دمشق من الاشتباك الروسي التركي من خلال إدخال سوريا ومنطقة الشمال تحديداً، والقريبة من التهديدات التركية، تحت مظلة الدفاع الصاروخي الروسي. رأينا ذلك بوضوح في رفع مستوى الغارات تحت النوافذ التركية مباشرة، السوخوي ٣٤ لم تتوقف منذ يومين على شنّ غارات وأهداف في الشريط التركماني تحديداً الذي تعتبره اسطنبول ركيزتها الاولى في سوريا، من باب السلامة شمال حلب إلى باب الهوى، وغيرها في جبال اللاذقية، خصوصاً في جبل التركمان. الغارات الروسية تصاعدت لكن لا يبدو حتى من تسارع هذه العمليات، أن الروس غيروا في خريطة عملياتهم في الشمال. الاهداف التي تتعرض للضرب يومياً هي جزء من بنك أهداف قديم، وجزء من خطة الوصول إلى الحدود التركية السورية. لكن الغارات باتت تركز على ضرب هذه المجموعات وهذا أحد الانعكاسات الميدانية للكمين التركي.

 

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً