قاسم عزالدين

كاتب لبناني وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية

انحدار تحالف وصعود حلف

إسقاط الطائرة الروسية هو رد إنفعالي تركي أقفل بجموح أهوج منافذ تركيا في محيطها الاقليمي، ولم يترك أمامها غير المراهنة على حديقة خلفية في سوريا، ففشل الاستراتيجية الأميركية في سوريا كشف تراجع القوّة الأطلسية التي تشمل في انحدارها تركيا ودول تحالف واشنطن وأتاح صعود حلف روسيا ــ إيران ــ سوريا ــ المقاومة، في ملء الفراغ السياسي والاستراتيجي.

تراجع القوّة الأطلسية التي تشمل في انحدارها تركيا ودول تحالف واشنطن
تراجع القوّة الأطلسية التي تشمل في انحدارها تركيا ودول تحالف واشنطن

إسقاط الطائرة الروسية هو انفعال سلطان عثماني كان قمر الشرق بمتناول يده، فأقفل بجموح أهوج منافذ تركيا في محيطها الاقليمي، ولم يترك أمامها غير المراهنة على حديقة خلفية في سوريا. هذا الانفعال هو من طلوع الروح أشبه، على ما يُقال في الأمثال الطريفة، حيث أُسقِط في يد أردوغان ولاسيما بمحاذاة المنطقة "الانسانية" بين جرابلس والمتوسط امتداداً إلى جبل التركمان.

المناورات البحرية الروسية في المتوسط جاءت بمثابة إعلان المثلث الشرقي (حدود سوريا ولبنان وقبرص) بحيرة روسية في مواجهة النفوذ الأطلسي وتركيا المحاذية. يحدوها في ذلك حسم الصراع في الحرب السورية على أنبوب الغاز "العربي" الممتد من قطر والسعودية إلى تركيا، وعلى استثمار الغاز في سوريا والساحل الشرقي. لكن هذا المفصل هو في وجهه البارز نتاج موازين القوى الحقيقية، إذ عجز الأطلسي في مناوراته المتزامنة عن تثبيت ما سماه

"الأطلسي الجنوبي" في خضم انحدار استراتيجيته، والانقسام الداخلي على مقرّ قوات التدخل السريع بين بلغاريا الأوروبية وتركيا المتوسطية. لكن أردوغان المتأجّج بعصبية قومية وعثمانية معاً يتراءى له أن يأخذ الأطلسي إلى مجراه، بحثاً عن منفذ في الشرنقة الاقليمية التي نسجها حول نفسه. ولم تلفت "صانع النموذج" الذي فاضت عليه أماني زمن الإحباط في شرّ الهزائم، أن رفض الأطلسي المتكرر لمنطقته العازلة، هو دلالة عجز عن حمايتها وعن الدخول في حرب أكبر من الحرب بالوكالة. ولا ريب أن الانفعال التركي في إسقاط الطائرة يوسّع البحيرة الروسية بموازاة السيطرة على الأجواء التركية والأوروبية. (الصواريخ الاستراتيجية).

فشل الاستراتيجية الأميركية في سوريا، كشف تراجع القوّة الأطلسية التي تشمل في انحدارها تركيا ودول تحالف واشنطن. إنما أتاح الفشل صعود حلف روسيا ــ إيران ــ سوريا ــ المقاومة، في ملء الفراغ السياسي والاستراتيجي.
 في هذا الاتجاه انساق لقاء فيينا، على وقع مجزرة باريس، تحوّلاً عن "جنيف" وتعبيراً عن موازين القوى الجديدة في المنطقة. فأخذ اللقاء بأولوية مواجهة الإرهاب، على الرغم من الخلافات المستدامة بشأن "المعارضة المعتدلة"، وعلى الرغم من اختصار تحالف واشنطن الإرهاب بـ"داعش" وحده. فالتحوّل عن أولوية مواجهة الرئيس الأسد، يتضمّن تحوّلاً آخراً لا يقل أهمية هو تغيير القعر العميق في رأس التحالف الذي تظهر فيه ظاهرة الإرهاب طَرَفيّة، ما أن يتغيّر الرئيس تتغيّر من حال إلى حال.

الغموض البنّاء الذي أظهرته موازين القوى في فيينا، بشأن بداية المهلة الزمنية للحكومة والانتخابات الرئاسية، هو في سياق الانتقال من الوصاية الدولية على سوريا، إلى مهمة وظيفية في تسهيل المفاوضات بين الحكم والمعارضة. وهو أمر مشروط بنقل بندقية "المعارضة المعتدلة" من كتف في مواجهة الجيش السوري، إلى كتف في مواجهة "الإرهاب" إلى جانب الجيش والحلفاء. وهو الممر الذي يؤدي إلى حكومة وانتخابات.

تواتر الحديث على عواهنه بشأن "رحيل الأسد"، هو محاولة للتهرّب من معضلة تحالف واشنطن مع معارضاته المعتدلة التي يعوّل عليها في مواجهة "داعش". فالتحالف يسعى إلى تطويق السلطة المركزية في دمشق مهما كان الرئيس، بأقاليم طائفية لإلغاء دور الدولة الناظم للسياسات الاقليمية والداخلية، على شاكلة نظام الحكم في العراق. وفي هذا السبيل يأمل التحالف إنشاء إقليم في الشمال السوري من "المعارضة المعتدلة" محل "داعش" فضلاً عن إقليم الكرد. لكن هذا المسعى يخنق أردوغان في عقر داره، ويكبّله بسلسلة الكرد التي يمكن أن تمتد إلى ديار بكر. بينما تبقى الإدارة الذاتية مسألة قابلة للحل بين الحكومة السورية والكرد السوريين في خط الحلف الصاعد في المنطقة والقاطرة الروسية.

توطيد العلاقات الروسية ــ الإيرانية في أفق استراتيجي، يرسي نواتات نموذج في تبادل المنفعة والمصالح الوطنية العليا، تتسع لتركيا وباقي دول المنطقة بمنأى عن الأطلسي. لكن أردوغان تحلو له محاربة طواحين الهواء من مأزق إلى أزمة. أحد المقرّبين من أروقة الرئاسة ينقل عن أردوغان استشاطة أليمة حين سلّم بوتين نسخة مصحف عثماني قديم إلى المرشد السيد علي خامنئي. لاح أمامه تسليم قيادة العالم الإسلامي، بحسب تأويل المقرّب. 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً