سميح صعب

صحافي لبناني متخصص بالشؤون العربية والدولية

هدنة سوريا اختبار التعاون الأميركي - الروسي

يكتب الاتفاق الأميركي - الروسي بشأن خفض التصعيد في جنوب سوريا أهمية كبرى وسط كلامي أميركي عن أنه حان الوقت لتتعاون واشنطن مع موسكو في هذا البلد.

لم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن التطوّرات الميدانية في الجنوب السوري
لم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن التطوّرات الميدانية في الجنوب السوري

ساعتان وعشرون دقيقة هي المدّة التي استغرقها لقاء القمّة الأوّل بين الرئيسَيْن الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، على هامش قمّة هامبورغ لمجموعة العشرين في 7 تموز/ يوليو الجاري. لكن أهمية اللقاء لا تنبع من معيار الوقت الذي استهلكه، وإنما من أهمية المواضيع التي تطرَّق إليها من العلاقات الثنائية إلى المواضيع الدولية الساخِنة التي يعجّ بها العالم.  

لكن النتيجة الإيجابية المباشرة التي خرج بها اللقاء كانت التوصّل إلى تفاهم على وقف للأعمال العدائية في جنوب سوريا في محافظاته الثلاث، القنيطرة ودرعا والسويداء، وذلك اعتباراً من 9 تموز/ يوليو الجاري. ولعلّ الأهم من إعلان هدنة الجنوب السوري، كانت تغريدة ترامب التي تلت اللقاء مع بوتين عندما اعتبر أنه "حان الوقت للتعاون مع روسيا" في سوريا. وتلغي هذه التغريدة مضمون الكلام السلبي الذي أورده وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون عن دور الرئيس السوري بشّار الأسد في مستقبل سوريا، والذي استدعى ردّاً حاسِماً من بوتين عندما ذكّر بأن مصير الأسد لا يُقرّره تيلرسون وإنما الشعب السوري.

وإذا كان السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه الآن هو عن مدى حظوظ هذا التفاهم بأن يُكتب له النجاح، فإن بعض الإحاطة بالخلفيّات التي سبقته والظروف التي أدّت إلى التوصّل إليه، ربما تكون كفيلة بالردّ على هذا التساؤل. وبات من المعروف أن مفاوضات أميركية – روسية - أردنية تجري منذ أشهر في عمّان هدفها التوصّل إلى اتفاق على تبريد الجبهة الجنوبية، الواقعة على تماسٍ مباشر مع الأردن ومع الجولان السوري المحتل. وقد صدرت مواقف أردنية علنية تُبدي التخوّف من احتمال وصول مُقاتلي "حزب الله" اللبناني إلى الحدود مع الأردن. وكذا كان الموقف الإسرائيلي بطبيعة الحال. وترجمت الغارات الجوية المتكرّرة على مواقع سوريّة  في الأسابيع الأخيرة قلق إسرائيل من إحراز الجيش السوري وحلفائه تقدّماً في القنيطرة، خصوصاً بعدما عجزت الفصائل السورية المدعومة من الدولة العبرية، وبينها "جبهة النصرة"، في تحقيق اختراق على هذه الجبهة يُمكّنها من إقامة "شريط حدودي" على غِرار الشريط الحدودي الذي أقامته في جنوب لبنان بعد اجتياحي 1978 و1982.

ومن جهة درعا، فشل أيضاً هجوم الفصائل التي تدرّبها الاستخبارات الأميركية والعربية في ما بات يُعرف بغرفة "الموك" في الأردن، في تحقيق اختراق في الهجوم الذي أطلقته قبل أسابيع من حيّ المنشيّة في درعا وتمكّن الجيش السوري من استعادة النقاط التي خسرها في بداية الهجوم. من هنا، بات الأردن يخشى تطوّر الميدان في اتجاه معاكس، لا سيّما مع الحشودات الكبيرة التي أرسلها الجيش السوري والحلفاء لحسم المعركة في درعا.

ولم تكن الولايات المتحدة ببعيدة عن التطوّرات الميدانية الجارية في الجنوب السوري، فحاولت أن ترفع من معنويات فصائل المعارضة السورية في جبهة محاذية للجنوب السوري، هي جبهة معبر التنف الذي يشكّل ملتقى للحدود السورية –الأردنية - العراقية، فكان القصف الجوي الأميركي أكثر من مرة على قوافل للجيش السوري وحلفائه بحجّة اقترابها من قاعدة التنف، التي يوجد فيها جنود أميركيون وبريطانيون ونرويجيون يعملون على تدريب فصائل من المعارضة السورية، أبرزها "جيش مغاوير الثورة" و"قوات أحمد العبدو". كما أسقطت القوات الأميركية طائرتَيْ استطلاع من دون طيّار من صنع إيراني بالقرب من هذه المنطقة. ولم تمنع هذه الاحتكاكات الجيش السوري من التقدّم إلى الحدود السورية -العراقية في نقطة تبعد نحو 70 كيلومتراً عن التنف، في وقت يستمرّ فيه توغّل الجيش السوري والحلفاء في البادية السورية إنطلاقاً من تدمر، وبلوغ مشارف مدينة السخنة التي في حال سقوطها ستُعطي الجيش زخماً كبيراً في معركة استعادة دير الزور. والغطاء الجوّي الروسي حاضر بفاعلية في هذه المعركة.  

وفي ظلّ الاتّجاه التصاعدي للميدان وبروز احتمالات صِدام مباشر بين القوى الدولية والإقليمية فوق الأرض السورية، كانت المفاوضات الأميركية – الروسية -الأردنية في عمّان تتكثّف من أجل إنتاج التفاهم الذي أُعلن في قمّة ترامب وبوتين في هامبورغ.  

وفي قراءة أوليّة للتفاهم، يبدو أن من المُسَلّم به أن الأطراف المعنية بالجبهة الجنوبية وبينها إسرائيل، وجدت أن هذه الجبهة في حال استمرت على هذه الوتيرة من السخونة فإنها لا شكّ ستؤدّي إلى تورّط إسرائيلي مباشر في الحرب السورية، لأن الفصائل التي تدعمها إسرائيل لن تكون قادرة على تشكيل منطقة آمنة على حدود الجولان المحتل. كما أن جبهة درعا تُهدّد أيضاً بتوريط الأردن مباشرة في الداخل السوري في حال انهيار الفصائل المدعومة منه. ولن تكون واشنطن ببعيدة لا عن إسرائيل ولا عن الأردن، ما سيؤدّي أيضاً إلى تورّطها أكثر فأكثر في الرمال السورية المُتحرّكة.

هنا كانت روسيا المخرج للجميع، فكان التسليم الأميركي بالدرجة الأولى ورضى أردني وعدم ممانعة إسرائيلية في أن تكون الشرطة الروسية هي الضامن لوقف النار في الجنوب السوري. وهكذا ينطوي التفاهم على توسيع للدور الروسي في سوريا، إذا أخذنا في الاعتبار أن موسكو هي شريك أنقرة وطهران في تفاهمات أستانا التي تنصّ على إقامة أربع مناطق ل"خفض التصعيد" في سوريا، من الشمال السوري إلى وسط البلاد ودمشق والجنوب.

كما أن هدنة الجنوب تؤشّر إلى نوع جديد من العلاقة الأميركية - الروسية. وعبّر مستشار الأمن القومي الأميركي إتش. آر. ماكماستر عن ذلك بقوله إن قمّة هامبورغ "أسّست لتعاون روسي - أميركي في حلّ القضايا الدولية المُستعصية". ومن شبه المحسوم أن مستقبل هدنة الجنوب السوري يتوقّف على قُدرة ترامب في تجاوز الكثير من الاعتراضات التي تبرز في وجهه في الداخل حيال قيام أيّ نوع من التعاون مع روسيا، لا سيّما وأن مسألة الاتهامات التي توجّهها أجهزة الاستخبارات الأميركية لموسكو بالتدخّل في الانتخابات الرئاسية عام 2016 لم تنتهِ بعد. وتقف هذه القضية حائلاً دون اتّخاذ ترامب خطوات نحو تصحيح العلاقات الأميركية - الروسية التي وصلت إلى أدنى مستوياتها في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.   

ومن الطبيعي أن تشتدّ الأصوات الأميركية المعارِضة لروسيا بعد التفاهم على هدنة الجنوب السوري. وتجنّباً للمعترضين، شدّد تيلرسون بعد قمّة هامبورغ على أن العلاقات مع روسيا تتوقّف على تنازلات يجب أن تبدأها موسكو في أوكرانيا، باعتبار أن الملف الأوكراني هو ساحة تصعيد أخرى لـ"المقاومة" التي يقودها ديموقراطيون وبعض الصقور الجمهوريين ضدّ أي تقارب مع روسيا.  

هذا التشابك في العلاقات الأميركية - الروسية يمكن أن يشكّل تهديداً نحو تعزيز الهدنة في الجنوب السوري، أو يقطع الطريق على قيام تفاهمات أوسع ترسّخ الاتجاه نحو تسوية سياسية للنزاع السوري، فضلاً عن ملفات دولية أخرى ساخنة. وتبقى هدنة جنوب سوريا بمثابة الاختبار الأول للتعاون بين ترامب وبوتين وفتح صفحة جديدة في العلاقات الأميركية - الروسية.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً