قاسم عزالدين

كاتب لبناني وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية

قناة " الميادين" إن حكَت

خمس سنوات من الكدّ عملاً وأملاً بتأسيس مدرسة إعلامية تكسر طوق ثقافة الانحدار، حتى صارت "الميادين" علماً في رأسه نار. لكن طموحات الإدارة والعاملين لا تُشبعها وثبة نحو أعالي المهنية الإعلامية الراقية، قبل أن تُسهم مدرسة "الميادين" في إرساء ثقافة إعلامية عربية تبدّد مألوف الردح الإعلامي والاحتراب. وعلى هذا الطريق تتقدم "الميادين" منذ خمس سنوات لها حكايتها.

عندما أزفّت لحظة انطلاق "الميادين" قبل خمس سنوات، لم يكن الإعلام العربي على أفضل صورة

عندما أزفّت لحظة انطلاق "الميادين" قبل خمس سنوات، لم يكن الإعلام العربي على أفضل صورة كما انطلقت بعض الفضائيات التي شبّت وتوهّجت في عمر الحبو. كان بمتناول هذه الفضائيات من الإمكانيات الواسعة والتغطية السياسية والمادية ما تسجّله في دفترها الذهبي بمجرّد اختراق حاجز المألوف العربي الرسمي على نحو وظيفة استقبل وودّع.

تبزغ "الميادين" كما يراهن الروّاد في ظروف معاندة، لا ضمانة فيها لمشروع طموح سوى الحسّ السليم والحدس بالنجاح. فالزلزال الذي بدأ يضرب البلاد العربية منذراً بأن يأتي بعاليها واطيها، فجّر الاصطفافات الحادة بين الكلّ ضد الكلَ متجاوزاً حافة الهاوية في الذهاب الحرب قاتلاً أو مقتولا. وفي هذا السياق الدموي انقلب بعض الإعلام الذي ناله من الشهرة مجداً عابراً في الموضوعية المهنية، إلى وقد النار بحطب إعلاميّه المحاربين لتوتير الغرائز البدائية.

تشق "الميادين" طريق صعودها في هذا الجلّ المتروك بواراً بعد أن زرعه المنسحبون منه بقنابل موقوتة.  ولعلّها تلهج حتى من دون تخطيط مسبق ربما، بالسويّة الآدمية رحمة بالمهنية الإعلامية ورحمة بحماية أرواح بني جلدتها. ولم تلجأ "الميادين" لتغليب هذه السويّة الطبيعية في تكوين الإنساني من بني البشر، إلى بيوتات الخبرة وشركات التخطيط الغربية "العالمية"، إنما خطّت لنفسها فلسفة التعمير بمواد من أرض البيئة المحلّية كما سعى كبار مهندسي العمارة القابلة لحياة مديدها تاريخ أرضها. فقد تخضّب رئيس مجلس الإدارة بالخبرة المجرّبَة في عهود متلاحقة، وحول هذه المعرفة المتراكمة ما تتعثّر عنده أسطر الحبر أسوداً على أبيض حيناً، تسبقه حكمة الصبر وأناة السهر من الشفق إلى تالي الشفق.

فلسفة البناء المتصالحة مع الأرض التي انتهجتها "الميادين" محورها "الإنسان في كل مكان" فلسفة للحياة على سجيّة الإنسان السوي، ومدرسة عليا على رأس أولويات الثقافة والإعلام. ففي أركان مدرسة "الميادين" الإعلامية، ركن احترام كينونة الناس كل الناس في اختلافهم بالعرق واللون والدين والمذهب وفي اختلافهم السياسي والثقافي والجهوي وغيره. فهذا الاختلاف هو ثروة التعدد واتساع تبادل المعرفة وتراكمها الحضاري. ولا تنحاز "الميادين" في نشراتها وبرامجها عداء لهذا أو نصرة لذاك تحريضاً أو محاباة، بل تحرص في واجبها ومسؤوليتها على أن يتآلف المجموع ويتطوروا سويأ نصرة للجمع ولهذا وذاك معاً.

لكن "الميادين" غير المنحازة في الاختلافات الطبيعية بين الأقوام والأفراد والجماعات، ليست حيادية في تحمّل مسؤوليتها لتخفيف حدّة توتير الغرائز حين يدفعها التحريض المغرِض إلى الاقتتال وتخريب العمران. بل تأخذ على نفسها ما أمكنها ذلك العمل على إطفاء الحريق ووقف الهدم وسفك الدماء. وبالعزيمة والحرص على مسؤولية الدفاع عن الحق بالحياة، تجاهر "الميادين" بالانتماء إلى المعذبين في الأرض في مواجهة أعداء الحياة والإنسان. فهي تلتزم بسياستها التحريرية من دون مواربة بحق الشعب الفلسطين على أرضه. وبحق المقاومة في مواجهة الاحتلال وبحق وواجب القضاء على جماعات الذبح وسفك دماء الأبرياء ولها في هذه الشؤون شأن وعزوة.

انتماء "الميادين" في مسؤوليتها الإعلامية على هذا النحو، يتأسّس على مبادىء أخلاقية وثقافية قمّة في الرقي الإنساني والإعلامي. لعلها هي الدافع من وراء السعي لفتح نوافذ الشراكات الإعلامية مع أميركا اللاتينية بين الجنوب والجنوب. وعلى الأرجح ربما تتوسع الفضاءات مع "الميادين" إلى مشرق الشمس. فالثقة الكبيرة التي تحظى بها "الميادين" على وسع البلدان العربية في البيوت ومراكز القرار، ربما تدلّ على نضج صدقيتها في  جهود متواصلة استغرقت خمس سنوات. لكنها ربما تحفّز "الميادين" على قلق من أن يفوتها بعض التقصير. 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً