سميح صعب

صحافي لبناني متخصص بالشؤون العربية والدولية

هكذا انقلب أردوغان على روسيا وإيران

على حبل مشدود بين الولايات المتحدة وروسيا يسير الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان. وعلى رغم أن الرجل هو من المنظور الاستراتيجي أحد حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وركيزة من ركائز حلف شمال الأطلسي، فإن ذلك لم يمنعه من الانحراف في اتجاه روسيا منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016.

طموحات أردوغان لا حصر لها، وهي مرشّحة للازدياد بعد أن يتوّج الرجل في استفتاء في نيسان حاكماً مطلقاً بقناع الحكم الرئاسي

حمل ردّ الفعل الأميركي الفاتر على أحداث تموز وما تلاها من انتقادات لحملة التطهير، أردوغان على تجرّع كأس سلسلة من التنازلات بغية إصلاح العلاقات مع موسكو، إثر تدهور غير مسبوق نجم عن إسقاط المُقاتلات التركية لمُقاتلة "سوخوي-24" على الحدود السورية-التركية في 24 تشرين الثاني 2015. 
لكن جملة أسئلة تطرح نفسها بإلحاح، أين يقف أردوغان الآن؟ وهل لا يزال راغباً في التعاون مع روسيا لإيجاد حل سياسي في سوريا؟ وعلى أية مسافة هو الآن من واشنطن وموسكو؟لا تدلّ التحرّكات العسكرية التركية في الشمال السوري على أن الرئيس التركي عازم على الاستمرار في التنسيق سواء مع روسيا أو مع إيران. فهو يريد التحلّل من التزامات كان وعد بها  موسكو وطهران في مرحلة التنسيق مع الدولتين ولا سيما بعد استعادة الحكومة السورية للشطر الشرقي من حلب. فالقوات التركية وسّعت في الأسابيع الأخيرة من نطاق سيطرتها في الشمال السوري وصولاً إلى مدينة الباب الاستراتيجية في ريف حلب. 
وتحتلّ تركيا الآن ما يصل إلى خمسة آلاف كيلومتر مربع من الاراضي السورية. وهذا يؤهّلها لردع أي تحرّك كردي سوري لإقامة فيديرالية قابلة للحياة في الشريط الحدودي على المقلب السوري من الحدود. وهنا لم يعد مهماً من أين حصل أردوغان على الضوء الأخضر للتوغّل كل هذه المسافة داخل سوريا.   وعلى أن أردوغان سيزور روسيا في الأيام المقبلة، لكن ليس بالضرورة أن تنجم عن الزيارة مناخات إيجابية تدفع الأزمة السورية إلى منعطف الحلول السياسية. وأردوغان ليس اللاعب الوحيد أو الأقوى على الساحة السورية في الوقت الحاضر. هنا تجب ملاحظة التقدّم السريع للجيش السوري جنوب مدينة الباب وسيطرته على عشرات القرى في محيط المدينة وصولاً إلى خطوط تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد). من الواضح أن هذه كانت رسالة اعتراض سورية-روسية على إصرار أردوغان على التلاعُب بالخط الأحمر الروسي.   
  وعلى الضفة الأميركية، ينتظر أردوغان بلورة اقتراح دونالد ترامب إقامة "مناطق آمنة" في سوريا. فإذا جاء هذا الاقتراح متوافقاً مع الرؤية التركية التي تطالب بفرض حظر جوي فوق هذه المناطق، فإن الرئيس التركي سيكون مستعداً مجدّداً للتضحية بالتعاون مع روسيا في مقابل اتخاذ قرار أميركي في هذا الشأن.وفي الوقت عينه تواصل واشنطن التي ساءها ذهاب أردوغان إلى هذا الحد في الاتجاه الروسي، دغدغة مشاعر الرئيس التركي عبر الإيحاء بأن واشنطن تقف على عتبة تبنّي سياسة جديدة في سوريا تتخلّى فيها عن عناصر الحذر التي اتّسمت بها سياسة إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. 
ويأتي في هذا السياق الإعلان عن تسلّم ترامب  خطّة البنتاغون لمحاربة "داعش" والحديث عن استعداد أميركي لإرفاق ذلك بإرسال قوات برية، فضلاً عن اقتراح البيت الأبيض زيادة الموازنة الدفاعية ب54 مليار دولار، وهو مبلغ يوازي كامل الموازنة الدفاعية لروسيا.المشروع الأميركي ل"المناطق الآمنة" الذي لم تتضّح معالمه التفصيلية بعد قد يُعيد أردوغان بالكامل إلى المربّع الأميركي ويؤدّي إلى هجره للتنسيق مع موسكو وطهران.
 وربما لم يكن مصادفة التصعيد الكلامي التركي في الأيام الأخيرة حيال إيران. فهل كان ذلك بداية الانضمام التركي إلى الحملة الأميركية-الخليجية على طهران ودورها في المنطقة.والالتفات إلى التوقيت التركي للحملة على إيران والذي أتى بعد جولة أردوغان على السعودية وقطر والبحرين، قد يجلي الكثير من الغموض الذي يكتنف الانقلاب التركي على كل من إيران وروسيا. 
ولم تتوان أنقرة عن إفشال اجتماع أستانة-2 كي تبعث برسالة إيجابية إلى واشنطن. لكن هذا لا يعني عودة المياه إلى مجاريها بين واشنطن وأنقرة، إذ أن حجم الخلافات بين الجانبين لا تزال واسعة. فإلى أي مدى يمكن أن تتجاوب إدارة ترامب مع المطالب التركية ولا سيما مطلب تسليم الداعية الإسلامي فتح الله غولن الذي تتّهمه أنقرة بتدبير انقلاب تموز. وإلى أي مدى يمكن أن تتجاوب واشنطن مع مطلب أردوغان بالتخلّي عن دعم أكراد سوريا بما يقضي على أي أمل بحكم ذاتي كردي في سوريا، ناهيك عن المطالبة التركية الدائمة بدور عسكري أميركي أكبر في الأزمة السورية بما يُحدِث تغييراً في موازين القوى على الأرض لمصلحة الأطراف المتحالفة مع تركيا.
طموحات أردوغان لا حصر لها، وهي مرشّحة للازدياد بعد أن يتوّج الرجل في استفتاء في نيسان حاكماً مطلقاً بقناع الحكم الرئاسي. لكن هل سيؤهّل ذلك أردوغان ليقف على أرض صلبة أم أنه سيكون مقدّمة لزيادة الخصوم وحشد المزيد من أسباب الانفجار المؤجّل في الداخل ووسط غليان غير مسبوق في المحيط.  
  وحتى الان نجا أردوغان من تأثيرات لعبة الأمم التي تجتاح الشرق الأوسط سوريا ودولاً أخرى في الشرق الأوسط. لكن لا شيء يضمن أن يسقط ضحيتها أيضاً.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً