محمد الخضر

مراسل قناة الميادين بدمشق منذ إنطلاقتها. يحمل إجازة في الصحافة من جامعة دمشق. عمل محرراً في العديد من الصحف المحلية والعربية ومراسلاً لوكالات وفضائيات عربية.

الأولوية للرقة.. عصب داعش وطريق نحو خزان النفط والغذاء السوري

حلب جبهة ساخنة لكنها تحت السيطرة ومن الصعب أن يحدث المسلحون تغييرات كبيرة على الجبهات فيها في الوقت الحالي على الأقل، لكن جبهة الرقة تحمل أفقاً كبيراً لإحداث تغيير جذري في المشهد الميداني السوري برمته واستعادة الدولة لقطاعات الإنتاج الرئيسية والحفاظ على وحدة وسيادة الدولة.

أحد المقاتلين في قوات سوريا الديمقراطية (أ ف ب)
أحد المقاتلين في قوات سوريا الديمقراطية (أ ف ب)

لم يكن أحد يملك وهم أن يخترق الجيش السوري والقوات الرديفة له مدينة الطبقة ومطارها العسكري خلال أسبوعين أو حتى شهر من الوقت. انطلقت العملية المفاجئة بوحدات من الجيش السوري تؤازرها مجموعات مدربة تدريباً عالياً من صقور الصحراء ومغاوير البحر في الأول من حزيران/ يونيو الماضي.
استندت الوحدات المهاجمة على خبرة قتالية عالية في مواجهة التنظيم بالدرجة الأولى وهزمته في معارك مهمة في تدمر والقريتين ومواقع أخرى في ريف حمص الشرقي، واعتمدت على غارات جوية دقيقة للطيران الحربي السوري والروسي دمرت آليات ومواقع للتنظيم على طول الطريق الصحراوية من أثريا الى الرقة ومحطيه الممتد. وحقق المهاجمون خلال أقل من ثلاثة أسابيع تقدماً سريعاً بوصولهم إلى مسافة 7 كيلومترات تقريباً عن مطار الطبقة.
لكن الوصول إلى الطبقة التي خسرها الجيش السوري في آب/ أغسطس 2014 تتطلب عملية معقدة ووقتاً وجهداً كما يدرك القادة الميدانيون، استناداً إلى طبيعة المعارك في مساحات مفتوحة بكل الاتجاهات ما يعني ضرورة بذل جهود مضاعفة لحماية القوات المتقدمة وحماية الوحدات المتأخرة باستمرار، وفي ظل إدراك داعش أن وصول الجيش السوري الى الطبقة، يعني ضرب عصبه الأساسي في المحافظة وفي سوريا عموماً، فالسيطرة على الطبقة تقطع طرق إمدادات رئيسية لداعش من المحافظة التي شكلت معقله السوري الرئيسي باتجاه المناطق الأخرى التي يسيطر عليها في أرياف حمص وحماه وحلب الشرقية والحسكة ودير الزور والرقة ذاتها. عوامل لا يمكن القفز عنها في مقاربة تلك المعركة الكبيرة، وقد ظهرت ترجمتها سريعاً مع استقدام داعش تعزيزات قدرت بحوالى 300 مسلح من أفضل عناصره تدريباً، واستخدامه سلاح المفخخات، الذي يجيد التعامل به، ما أعاده الى مواقع تقدم الجيش السوري إليها وخصوصاً في صفيان وحقل الثورة النفطي ومنطقة انباج الاستراتيجية. وبالتالي تراجع القوات المهاجمة نحو 40 كم في إطار تلك المعركة المختلفة بطبيعتها وأهدافها.


وفهم الأهمية الكبيرة للمعركة ضد داعش في الرقة يقلل من أهمية التراجع الآني لوحدات الجيش والقوات الرديفة على محور أثريا – الطبقة، فالهدف المتمثل باستعادة مناطق إسترايتيجة لسوريا بثرواتها النفطية وحقولها الزراعية ومياهها ومحطاتها الكهربائية وبموقعها الرابط بين منطقة الجزيرة "خزان الغذاء السوري" وحلب وحماه ووسط البلاد يجعل التصميم على هذا الهدف مصيرياً ولا رجعة عنه مهما حشد داعش من قوة لمنع سقوط أهم تحصيناته السورية، وأكثر من ذلك ثمة رهان على أن التقدم على محور الطبقة يعني استعادة الجزء الأهم من الأراضي والمساحات التي فقدتها الدولة السورية في الحرب إنطلاقاً من أن أكثر من 70% من الأراضي التي لا تسيطر عليها الدولة تقع بيد تنظيم داعش في محافظات عدة: الرقة وريف حلب الشرقي والشمالي وريف دير الزور وريفي حماه وحمص الشرقيين وبعض المواقع في القلمون الشرقي وشمال شرق السويداء باتجاه الحدود مع الأردن والعراق وحتى جيوب صغيرة لكنها خطيرة بموقعها قرب الجولان المحتل في ريف درعا الجنوبي الغربي.

وفق هذه الأهمية لتلك المساحات من جانب وما تحويه من ثروات سوريا النفطية والغازية وإطلالتها على معابر حدودية مع العراق خصوصاً، يصبح القرار بالبدء باستعادة تلك المناطق بدءاً من ريف الرقة إستراتيجياً، ومن الصعب أن يكون قراراً سورياً صرفا بعيداً عن التشاور وخصوصا مع الحليف الروسي الذي قاد جزءا مهما من المعركة بغطاء جوي كثيف ودقيق. وأكثر من ذلك ثمة معلومات تشير الى وجود تباين في التعاطي مع الأولويات بين إعطاء حلب الاولوية أو الرقة التي لم تكن في سلم توقعات المراقبين في ظل الحاجة الى عنصر بشري كبير وتحضيرات عسكرية من نوع مختلف.


لكن مجريات الأمور توضح أن الأولوية أعطيت للرقة نظراً لتلك الأهمية الفائقة وفي ظل عامل أميركي مستجد بدا واضحاً من خلال دور استشاري للخبراء الاميركيين وربما قتالي مباشر مع قوات سوريا الديمقراطية في محاولة لخلق واقع ميداني جديد على الأرض في منبج أو حتى ريف الرقة الشمالي يربك الدولة السورية في المستقبل القريب ويهدد بالفعل وحدتها.
وإعطاء الأولوية للرقة لا يعني وقف العمليات أو تجميدها في حلب، على العكس من ذلك ثمة جهد كبير على كل الجبهات الحلبية جنوباً وشمالاً بالرغم من تقدم جيش الفتح وسيطرته على عدة قرى في الريف الجنوبي مستغلاً حالة الهدنة وبتواطئ إقليمي واضح من حجم العتاد والسلاح ورعاية أميركية ترفض حتى اليوم طلب روسيا  فصل المجموعات المسلحة عن "جبهة النصرة".
حلب جبهة ساخنة لكنها تحت السيطرة ومن الصعب أن يحدث المسلحون تغييرات كبيرة على الجبهات فيها في الوقت الحالي على الأقل، لكن جبهة الرقة تحمل أفقاً كبيراً لإحداث تغيير جذري في المشهد الميداني السوري برمته واستعادة الدولة لقطاعات الإنتاج الرئيسية والحفاظ على وحدة وسيادة الدولة.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً