قاسم عزالدين

كاتب لبناني وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية

السعودية إذ تتحوّل...

يخاف خصوم التحالف الأميركي ــ السعودي من هول مواجهة الأساس المؤسس للتحوّلات السياسية والجيوسياسية بمشروعِ بديل. "لكن ما ينبغي خوفه، هو الخوف من الخوف"، يقول روزفلت في مأثرة الذهاب إلى هزيمة عدو استراتيجي في الحرب والسياسية وفي الاقتصاد.

محمد بن سلمان
محمد بن سلمان

تحت عنوان "بشائر نهضة حضارية واعدة" يكتب أكاديمي سعودي مرموق عما سمّي "رؤية 2030" ما يلي: "لقد كان خادم الحرمين الشريفين دقيقاً وحصيفاً حين وصف هذه الرؤية الاستراتيجية بأنها رؤية طموح وعبّر عن أمله بأن تكون انموذجاً للعالم في أفق المتغيرات المتسارعة التي باتت تهدد الاقتصاد العالمي بالتراجع..."
  وفي المنحى نفسه تكتب إعلامية كبيرة في صحيفة سعودية: "مدهشة رؤية 2030 لأنها مشروع نهضة مبني على العلمية والبراغماتية وورشة عمل جماعي لاستبدال أنماط التأميم والريعية والإملاء بنهج ليبرالي إقتصادي واجتماعي وبفلسفة مكافأة الإبداع والحق بالتفوّق والمساواة في المواطنة والشراكة في صنع القرار..."، فهذه عيّنة من أرقى التحليلات المحابية لرؤية السعودية، إنشاء على ردح انموذج لخلاص العالم، أو أنشودة حكواتي يكرّ كلمات مرجَلَة خاوية يستوي فيها الشيء وضده فاقعاً كالحق بالتفوّق! مع المساواة والشراكة. لكن هذه "الرؤية" ليست سعودية في أصلها وفصلها، على ما تشير دراسة لشركة استشارات فرنسية برئاسة الأميرة ستريدا بعنوان "مهمة اقتصادية" بتاريخ 14/2/2014، بالصلة مع التجارة الخارجية الفرنسية. ففي هذا السياق تكاتفت مؤسسات الاستثمار الأجنبي والبنك الدولي وشركات الخبرة المالية ورجال الأعمال الأجانب وعلى رأسهم "مجموعة الاستثمار" في الرياض بإدارة جون سفاكياناكيس، في ورشات عمل متواصلة طيلة العام 2015 تحت عنوان "الحاجة لتسريع الإصلاحات". لكن "الرؤية" كما أوردها ولي ولي العهد هي حصيلة ما سبق في دراسات لمجموعات الاستثمار و"بيوت الخبرة" بكلفة تقديرية تتجاوز 50 مليون دولار، أضيفت إليها أعمال "فرق العمل" الناتجة عن الشراكة الاستراتيجية الجديدة في قمة كامب ديفيد بين باراك أوباما والدول الخليجية العام 2015 بعنوان "التحوّل الإصلاحي". (إشارة في ملحق صحيفة "لي زيكو" الاقتصادية الفرنسية) لكن هذا الانتقال هو فرع في تحوّلات انموذج معولم تعبّر عنه الخطط الاقتصادية في أميركا الشمالية والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية الاقتصادية التي كانت في الأصل لعام 2020 ثم أصبحت لعام 2030. وهذا الفرع في السعودية هو تحوّل من الريع النفطي الحقيقي (الإدمان على النفط) إلى الريع المالي الافتراضي مخيالاً (الصندوق السيادي) في سياق تحوّلات النموذج الأم.


سلمان وأوباما
سلمان وأوباما

السعودية قبل هذا التحوّل الإفتراضي أخذت موقعها في المنطقة والمنظومة الدولية، على قاعدة "الشراكة الاستراتيجية" مع الولايات المتحدة فيما سمي "اتفاقية النفط مقابل الأمن" العام 1945. ففي تدبير من "وليام إيدي" رئيس مكتب الخدمات الاستراتيجية (سي أي إي لاحقاً) جرى إرساء "الشراكة" على متن الطرّاد الأميركي "يو أس أس" في قناة السويس بين فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز في مستهل الحرب الباردة بين طرفي المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، وعلى أبواب صعود حركات التحرر الوطني في المستعمرات السابقة وعلى مستهل إطلالة الحركات الإستقلالية في المنطقة العربية ــ الإسلامية (عدا تركيا التي أدت هزيمتها في الحرب إلى إدارة وجهها صوب الغرب). ففي مجرى تحوّلات ما يُطلق عليه "العالم القديم" من الإمبراطوريات الاستعمارية إلى ما يسميه روزفلت " المعطى الجديد" (نيو ديل)، ترتسم سياسات السعودية في مرحلة الحرب الباردة لمواجهة "الإلحاد الشيوعي"، ومواجهة "هرطقة" الحركات الإستقلالية في المنطقة. وفي هذا المجرى أيضاً ترتسم سياسات السعودية في الاعتماد على تنظيم إيديولوجي وهابي سمته الأساسية أنه قابل للتصدير في أداء دور "جهادي" في العالم الإسلامي خلال الحرب الباردة، وقابل لأداء دور في توسّع النفوذ السعودي الخارجي في دعم منظومة الأمن الأميركي، فضلاً عن حماية المُلك على السمع والطاعة.
 لكن هذا الدور الأيديولوجي ليس تأثيراً فعّالاً بذاته (كان من الممكن أن يبقى مدرسة مذهبية شأن المدارس الأخرى تفيض وتنحسر)، إنما هو دور سياسي في منظومة الريع النفطي مع الولايات المتحدة في مرحلة تفكيك الإمبراطوريات و"إزالة الاستعمار" القديم. روزفلت البارز صعوداً في مواجهة أزمة انهيار ما أَطلَق عليه "مجتمع السوق" العام 1929، إرتكز الى "الكينزية الاقتصادية" في تفكيك مملكة "وول ستريت" المالية والاعتماد على دور الدولة في الاستثمارات ومشاريع البنية التحتية والإنشاءات الكبرى، لكنه في الوقت نفسه اتجه لغزو الأسواق في المستعمرات (بدءً من الحديقة الخلفية في أميركا اللاتينية) اعتماداً على دور "شرطي العالم" و على الحرب (كتابه: المحارب السعيد العام 1928). وقد بدأ بالاستعداد لحرب نووية إثر رسالة بعث بها كبير "علماء الإنسانية" ألبير آنشتاين في 2 آب/أغسطس العام 1939، يدلّه فيها على اليورانيوم في "الكونغو البلجيكية" لخرق سيطرة ألمانيا على اليورانيوم في تشيكوسلوفاكيا، ولحسم الحرب في قنبلة هيروشيما العام 1945.

السعودية في هذا المسار هي فرع من الاستراتيجية الأميركية بعد الحرب الثانية، في انتقال المستعمرات السابقة من الاحتلال المباشر إلى التبعية الاقتصادية مدخلاً للتبعية الجيوــ سياسية. (روزفلت مخترع مفهوم التنمية الذي بات اليوم اسمه "تنمية مستدامة" استفحالاً في الفجور حيث يُصبح المستدام "محميّة طبيعية" تدل على نموذج التوحّش السائد في تبديد الثروات الطبيعية والتهميش الاجتماعي). وهو انتقال يستند إلى فتح الأسواق والسيطرة على المواد الأولية، في سياسة الأرض المحروقة أمام الحركات الإستقلالية ومواجهة التمدّد السوفييتي. ففي 12 شباط/ فبراير 1945 دعا روزفلت أمام الكونغرس الأميركي إلى إنشاء مؤسسات "برتون وودز" (البنك الدولي وصندوق النقد) "للتنمية ومكافحة التخلّف في العالم النامي". وبموازاة التبعية الاقتصادية نشطت الإدارة الأميركية في إنشاء الأحلاف العسكرية كحلف شمالي الأطلسي العام 1949، فكانت السعودية وراء واشنطن في منافسة بريطانيا على إنشاء "جامعة الدول العربية" العام 1945، وكانت على خطى واشنطن في منافسة بريطانيا على إنشاء "منظمة حلف الشرق الأوسط" (حلف بغداد) 1945 في حفظ التوازنات بين كل من العراق وتركيا وإيران الشاه من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، لخنق الحركات الإستقلالية في مصر امتداداً إلى سوريا والمغرب العربي (جون فوستر دالاس، طريق جديد يؤدي إلى الدفاع عن الشرق الأوسط). وبقي الحلف رسمياً حتى حلّه العام 1979 مع الثورة الإيرانية. إنما التحالف الأميركي ــ السعودي أساسه ريع النفط سلاحاً استراتيجياً اقتصادياً وسياسياً وسلاحاً جيوــسياسياً في المنطقة والمنظومة الدولية. فحين انضمت السعودية إلى منظمة "الأوبك" في بغداد العام 1960 أثناء مرحلة التأميمات، كان إنتاج السعودية لا يتجاوز 20% من إنتاج "الأوبك". لكن سرعان ما استندت واشنطن الى حلفائها في "الأوبك" لإرساء ما يُعرف بسياسة "البتروــ دولار" العام 1970، وهي سياسة إلغاء "سلّة العملات" للاعتماد على الدولار وحده سعراً للبرميل، ولم تمضِ أكثر من سنة حتى قطعت واشنطن تغطية الدولار بالذهب العام 1971، فباتت تغطية الدولار مذّاك بالدولار. فهذا الدولار والحالة هذه يستطيع أن يسرح ويمرح أينما كان لكنه لا يلبث أن يعود إلى الاحتياط الأميركي قيمة إسمية، أو يعود إلى الدول الصناعية مقابل بضائع استهلاكية ومشتريات سلاح وما شابه، لكنه في بلد ريعي كالسعودية يُستخدم لحماية المُلك في التوزيع على الأسرة الحاكمة ضماناً لاستقرارها، وفي التوزيع على طبقة رجال الأعمال من ذوي النفوذ القبلي والجهوي، وعلى أعمال "التنظيم الأيديولوجي" في توسّع النفوذ الإقليمي. وما الإنتقال من النفط إلى  السندات والصناديق، سوى انتقال من السائل إلى الهواء. فمفتاح المطبعة هو في يد واشنطن على قول الرئيس السابق للإحتياطي الفيدرالي آلان غرينسبان، وميزان قيمة الدولار في يدها أيضاً. لكن هذا الإنتقال هو في سياق تحوّلات النموذج النيوليبرالي يؤدي إلى تفكيك التوازنات السعودية الداخلية، ويدفع الحكم السعودي إلى أتون تعميم الخراب النيوليبرالي الاقتصادي والجيوسياسي في المنطقة، يأمل تعويضه بحصة من عائدات الخراب.


الرياض
الرياض

في العام 2014 انشغلت أوساط بيوت الخبرة والاستثمار في البحث عما "بعد الانهيار في السعودية"، كما يُعنْون الباحث في المركز القومي للأبحاث الاجتماعية الفرنسي ستافان لاكروا مقالته "بين العنف والإصلاح". وفي السياق اشتركت "فرق العمل" الأميركية طيلة السنة الماضية في سعودة "المخرج" على قاعدة ما بات مألوفاً في الثقافة السياسية النيوليبرالية المعولمة بشأن "الإصلاح" كما ورد في "عقيدة أوباما". وهو في جانبه الإقتصادي ثلاثية مقدسة (حرية السوق، والتجارة، والاستثمار الأجنبي المباشر) أساساً "لعقيدة أوباما" فيما يسمى الإصلاح السياسي وما أُطلق عليه "شراكة استراتيجية جديدة". وفي هذا الإطار عُقد في الرياض في مطلع السنة مُنتدى التنافسية العالمية بحضور مئات الشركات الأجنبية بحثاً عن قطاعات الاستثمار وفق قواعد منظمة التجارة العالمية في تحويل كل شيء إلى سلع قابلة للمنافسة والتجارة في السوق الدولية. وبناءً عليه تبيّن أن في السعودية نفط يمكن البدء بخوصصته (شركة آرامكو)، وأن فيها حيازات أراضي قابلة للاستثمار في قطاع التعدين، وفيها قطاعات الصحة والتعليم القابلة للربح في زيادة حصة القطاع الخاص من 14% إلى 25% في السنوات الأولى... إلخ لكن هذه "الإصلاحات" وغيرها تقتضي بموازاتها تقليص النفقات الحكومية 11,7% في ميزانية التعليم و35% في القطاع الصحي وتتنحيف نفقات التوظيف الحكومي بدء في تسريح العمال الأجانب (5,6 مليون عامل بحسب تقرير شركة باريبا) وكذلك خفض الموظفين السعوديين من الثلثين في القطاع الحكومي إلى الثلث (60% من الشباب لقمة سائغة للقاعدة وداعش)، بالإضافة إلى "تحرير" المحروقات والكهرباء والمياه إلى ما يقارب سعرها في السوق الدولية وزيادة ضريبة القيمة المضافة.
وفي السياق تشمل "الإصلاحات" حرية المنافسة بين الشركات الأجنبية ورجال الأعمال السعوديين في تقليص حظوتهم من توزيع الثروة، لكنها تعزّز الإنفاق العسكري والأمني مع فتح بعضها على الشركات الخاصة (بلاك ووتر، أرمور غروب أنترناشيونال وغيرها). فميزانية هذا الإنفاق تستهلك 25% من الميزانية العامة وهي ترتفع سنوياً بنسبة 19% منذ العام 2001، وفي السنة الماضية زادت 5,3 مليار دولار بسبب الحرب على اليمن وفق تصريح وزير الاقتصاد السعودي عادل الفقيه، لكنها في الحسابات الإجمالية للحرب ومن ضمنها كلفة "التحالف الإسلامي" تبلغ 30 مليار دولار.

الصندوق السعودي المُزمع إنشاؤه بألفي مليار دولار، هو سلاح بيد الإدارة الأميركية وشركات الاستثمار "لإعادة الإعمار" على مستوى المنطقة في سياق تحوّلات النموذج الأم. ففي مسار انهيار الدول وتعميم الخراب والدمار والدم، تتحفز طبقات همجية النموذج النيوليبرالي المعولم لتفتيت الجغرافيا السياسية في أقاليم محتربَة فيما بينها، وتركيب سلطات طائفية وعرقية متذابحة على النفوذ والمكانة وفتات الثروات المنهوبة. فالتحالف الأميركي ــ السعودي يبني تحوّله في المنطقة أساسه الاستثمار المالي والتجاري لوضع اليد على الأرض والمياه والطاقة... في مصر وسوريا والعراق والأردن ولبنان وعلى التعليم والصحة والخدمات... في إنشاء طرق التجارة وانفتاح الأسواق مروراً بإسرائيل ذهاباً وإياباً.(معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي). فـ"العالم لم يكن يوماً أفضل مما هو عليه اليوم" كما يقول أوباما مدغدغاً بذلك طبقات التوحّش. فهذا التحالف يتفوّق على خصومه في تفوّق النموذج على أحلام عودة الحدود والدولة والاقتصاد السياسي والاجتماعي كأن شيئاً لم يكن. وفي واقع الأمر يخاف خصوم التحالف الأميركي ــ السعودي من هول مواجهة الأساس المؤسس للتحوّلات السياسية والجيوسياسية بمشروعِ بديل. "لكن ما ينبغي خوفه، هو الخوف من الخوف"، يقول روزفلت في مأثرة الذهاب إلى هزيمة عدو استراتيجي في الحرب والسياسية وفي الاقتصاد.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً