ديمة ناصيف

كاتبة إعلامية ومديرة مكتب الميادين في دمشق

الشيخ مسكين مفتاح المنطقة الجنوبية

لم يتبق في طرق إمداد الجيش السوري بين درعا ودمشق ما يذكر بشيء من أعداء الأمس. المدينة التي دخلتها "جبهة النصرة" و"حركة المثنى"، استعادها منهما الجيش يوماً بيوم، آتياً منطقة اللواء اثنين وثمانين شمال المدينة.

الشيخ مسكين
الشيخ مسكين

تقدم الجيش وحلفاؤه تدريجياً طيلة شهرٍ داخل الشيخ مسكين عبر تجمعات يعرفون مسالكها التي قاتلوا فيها، لا سيما الإسكان العسكري واللواء 82. شهر ونصف من القتال لكي تتمكن النصرة العام الماضي من دخول هذه المواقع، وشهر آخر من القتال أعادت بعد عام كامل الجيش إليها. السرعة التي تقدمت خلالها وحدات الجيش، في الأسبوع الأخير، واختراقه مواقع حصينة وبيئة حاضنة للمجموعات المسلحة، عكسا الإجهاد المعنوي الذي أصاب هذه المجموعات بعد هزيمتها في درعا، وتراجع قدرتها على الحشد والقتال، بسبب استنزافها في معارك "عاصفة الجنوب" في ست هجمات متتالية.

الدمار الذي تعرضت له المدينة يشهد على طول المعارك وقسوة المواجهات. الفرقتان الخامسة والخامسة عشر، والأمن العسكري، حاصروا  المسلحين في المدينة، قبل عزلهم في مربعات، وجيوب منفصلة. اتبعت وحدات الهجوم تكتيك القضم التدريجي وتثبيت خطوط الإسناد، قبل الانتقال الى مناطق أخرى. الطائرات والمدفعية مهدت بكثافة النيران والقصف، لتشتيت المسلحين، وتخفيف  خسائر الجيش، الذي خاض في المدينة حرب عصاباتٍ واسعة.

الجيش عمل على تدمير المجموعات المسلحة، ولم يترك لها طرقاً انسحابية، تفادياً لإعادة تجمعها في جبهات أخرى. المجموعات المسلحة التي تنتمي الى ثلاثة عشر فصيلاً فقدت أكثر من ثلاثمئة قتيل، وهي أكبر حصيلة تمنى بها المجموعات في المنطقة الجنوبية بعد معارك "عاصفة الجنوب" الصيف الماضي التي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن ألف مقاتل وتسليم ألفين أنفسهم مع سلاحهم للجيش السوري.


البيئة الاقليمية والمحلية التي ساعدت على استعادة الشيخ مسكين

استفاد الجيش وحلفاؤه من الخلافات الكبيرة والاقتتال في صفوف المسلحين، لاسيما بعد إعلان الحرب على "حركة المثنى" الإسلامية (التي بايعت داعش سراً) و"النصرة" (وأغلب عناصرها في المنطقة الجنوبية من التيار السلفي الأردني) وهما أكبر فصيلين في المنطقة الجنوبية من أجل عزل القوى المتشددة. الخلاف والاقتتال عرقلا إمداد المقاتلين في الشيخ مسكين، وأديا الى تسريع مع انهيار هذه المجموعات التي كانت تقاتل الجيش وتقتتل فيما بينها .

البيئة الإقليمية كانت عنصراً مهماً جداً في هذه المعركة الى جانب الجيش. فمنذ هزيمة "عاصفة الجنوب"، تم تجميد غرفة عمليات "الموك" بقرارٍ أردني، بعد تفاهمات أردنية-روسية إثر زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعمّان، وخروج الملك عبد الله الثاني ليقول بأن روسيا ستلعب دوراً محورياً في الحل السياسي للأزمة السورية. ويبدو أن تنسيقاً أمنياً حصل حينها، ومنحت موسكو عمان  ضمانات لتطبيقه.

تجميد غرفة الموك وعزل المجموعات المتشددة واقتتال الفصائل فيما بينها، أمور سهّلت موضوعياً تقدم الجيش.

البيئة المحلية المحبطة هي أيضا كانت عنصراً أساسياً في انتصار الجيش. فالخسائر الكبيرة التي لحقت بالبيئة الحورانية بعد مقتل أكثر من ألف مقاتل من أبنائها وجرح آلاف آخرين، في معارك "عاصفة الجنوب" أدت الى استنزافها، واستنكافها عن الحشد من أجل استئناف الحرب.

الجبهة الجنوبية في سوريا محط رهان سعودي تحديداً، لاختراق سوريا من الأردن والوصول الى دمشق. غرفة عمليات عمّان نظمت التسليح والتمويل، لكن درعا صمدت والناطق باسم هذه المجموعات أدهم الكراد نعى في أيلول الماضي حرب الجنوب وعاصفتها، معدداً لائحة طويلة من الأسباب.

الفشل العسكري في درعا والشيخ مسكين قد يعزز فرص المصالحات والتسويات في نوى ودرعا،  لتهدئة الأوضاع واختصار جبهات جديدة، وأن ترضخ الجماعات المسلحة لإرادة الناس بوقف القتال.


تكتيكات الجيش في المعركة

مثلت عملية الشيخ مسكين نموذجاً كبيراً ومهماً في المزاوجة الواسعة بين عمليات الاقتحام الراجلة، التي بات يعتمدها الجيش وحلفاؤه مؤخراً لتفادي الخسائر البشرية وفي المدرعات بسبب الصواريخ المضادة، وبين تكثيف الإسناد الجوي الروسي والسوري والقصف المدفعي.

الانتصار في الشيخ مسكين هو انتصار أيضاً لاستراتيجية فتح جبهات متعددة في وقتٍ واحدٍ، في اللاذقية شمالاً، وفي أرياف حلب جنوباً وشرقاً مع كويرس والباب، وفي الوسط حول حمص، وفي الغوطة الغربية حول دمشق في داريا، وفي الغوطة الشرقية حول مرج السلطان، وأيضا في الشيخ مسكين في الجبهة الجنوبية، وهي كلها هجمات توجت بانتصارات. الجيش عوض عن نقص العديد الضروري للانتشار والتمدد في كل هذه الجبهات، على الإسناد الجوي الكثيف، وعلى عمليات قوات النخبة، والاقتحامات الراجلة، كما على النشاط الاستخباري. كل هذه العناصر مجتمعةً ساعدت على تخفيف الخسائر في صفوفه، وتشتيت قوى المسلحين وإرباكهم. واستطاع تثبيت خطوطه في كل مرة قبل شن أي هجومٍ جديد .

تسمح هذه الانتصارات بتعميم هذه التكتيكات على جبهات أخرى، خصوصاً أنها بداية انقلاب ميزان القوى في المنطقة الجنوبية. إذ لا تزال تنتظر الجيش معركةٌ حاسمة لاستعادة تل حمد في الطريق نحو نوى، كبرى مدن حوران التي تحيط بها تلال الجابية والجموع وأم حوران. وإذا ما استعاد الجيش  عليها تنقتح الطرق أمامه نحو قرى وبلدات شمال غرب حوران وهي قرى فقدها حين دخلتها الفصائل المسلحة، وخصوصاً "النصرة"، بإسنادٍ مدفعيٍ إسرائيلي، ودعمٍ استخباري ولوجستي واستشفائي معروف.

المعركة بعد الشيخ مسكين ستنتقل من السهل الحوراني الى التلال. والمرحلة الأولى التي أنجزها الجيش أنهت أي تهديد لطريق دمشق درعا، كما أسقطت خطر الالتفاف على وحدات الجيش السوري في درعا وقطع الاتصال مع وحداته المرابطة في الصنمين شمالاً.

 ولكن معركة المنطقة الجنوبية لا تزال في بدايتها.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً