علي السقا

كاتب وروائي لبناني. مسؤول الصفحة الثقافية في موقع الميادين ومعدّ ومقدّم برنامج "حكاية أديب".

شعلة في آخر الدرب

نحن وحوش. فلنصرخ بهذا أمام الأطفال من دون ورع أو خجل! لنقل لهم إننا صرنا وحوشاً منذ تلك اللحظة التي تخلّينا فيها عن فطرتنا. منذ نبذنا ضعفنا وسعينا إلى القوة. القوة التي لا تثبت دعائمها إلا بالدم والرعب والإكراه. القوة التي ترهقنا أكثر من الضعف نفسه لأنها تتوسّل الصلابة. تلك الصلابة الأنانية التي تجعلنا لا نتعرّف إلا على أنفسنا، ولا يشتدّ عودها إلا بلامبالاتنا.

شعلة في آخر الدرب
شعلة في آخر الدرب

الضعيف تكسره الكلمة، مثلما يكسر الهواء العود اليابس. لا حيلة للضعفاء غير الحلم. الحلم منج من الموت. يريد الضعفاء أن ترتفع الدنيا وتسقط جنّة مكانها. يزداد توقهم للمعجزات كلّما جالوا بأبصارهم حولهم، قبل أن يربأوا بها عالياً وهم يمسحون الأفق بعيونهم. يدركون ألا مخالب لهم ولا أسنان يهشمون بها الأنياب التي تنهش حياتهم. يزداد شعورهم بالعجز كلما تضخّمت يد التوّحش وتصلبّت أصابعها. لكنهم رغم ذلك أقوياء. قوة الضعفاء في ذبول الحيلة التي تجعل البطش سافراً، تعرّيه كما تكشف الريح العاتية سوأة السيف الصدىء. هذا ما نراه كل يوم في غير بقعة من هذه الدنيا البائسة.

الأطفال أكثر وجوه الضعف سطوعاً. عيونهم المنتفخة بالأسئلة تضرب عميقاً في فطرتنا. ما جدوى الدمار والخراب والموت؟ أية رعشة سعادة تسري في عروق من يشّيد عرشه فوق الجماجم؟ أية غبطة تكلّل رأسه والأرض حوله قفراً، إلا من النار وسحب البكاء الدكناء؟ 

يسألنا الأطفال ولا نجيب. عجزنا أمامهم أبدي. خيبتنا من تصوّر عالم على هيئة ما نسرد لهم من قصص دافئة. نلقي على مسامعهم ما يساعدهم على النوم. نعاين ابتساماتهم وتصيبنا العدوى بفرح يتلاشى ما إن نفتح جفوننا. حبور يتذرّر أمام عيوننا وهو يحمل في ذرّاته نحيباً من عُمر البشرية. يجب أن نواجه أطفالنا بالحقيقة. تلك التي تشفيهم من السؤال. الحقيقة التي تمسح اللوحة الرومانسية عن سحنة العالم لتظهر خلفها بقايا الدماء والدموع جامدة قاتمة. 

نحن وحوش. فلنصرخ بهذا أمام الأطفال من دون ورع أو خجل! لنقل لهم إننا صرنا وحوشاً منذ تلك اللحظة التي تخلّينا فيها عن فطرتنا. منذ نبذنا ضعفنا وسعينا إلى القوة. القوة التي لا تثبت دعائمها إلا بالدم والرعب والإكراه. القوة التي ترهقنا أكثر من الضعف نفسه لأنها تتوسّل الصلابة. تلك الصلابة الأنانية التي تجعلنا لا نتعرّف إلا على أنفسنا، ولا يشتدّ عودها إلا بلامبالاتنا.

لسنا صنّاع أحلام. يجب أن ندرك هذا. نحن بكّاؤون فحسب. بكاؤنا غير بكاء الأطفال. بكاؤنا من ضياع قوتنا كأفراد وجماعات على الإخضاع وشحذاً لها حتى تنقلب الأدوار. بكاؤنا ليس من ضياع أسباب حياة على قدر ما جعلونا نحلم بها منذ صغرنا. لقد بتنا أكثر شدّة على التأقلم مع اليقين بأننا نحن مَن نرسم زوالنا بأيدينا ونسير إلى ذلك كالمجانين. أن الدنيا التي وهبنا إياها الرحيم قبساً من جنّة سماوية حباً بنا، نوغل في تلطيخ وجهها بكل ما أوتينا من كراهية.

كلمّا دمع طفل في هذا الكون، كلّما ارتعش قلبه خوفاً، كلّما نهش الجوع جوفه، كلّما اتّسعت هاوية الطُغاة وصارت أعمق. الأطفال ملح الدنيا. ضعفهم. أسئلتهم. دموعهم. شعلة سماوية عند ناصية الدرب المظلمة. نور في سرداب الأصل. قول فصل بأننا لم نخلق لنصبح ما أمسينا عليه. أننا كنا نحلم. أن بطشنا، موتنا المحتوم.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً