سميح صعب

صحافي لبناني متخصص بالشؤون العربية والدولية

استراتيجية ترامب امتداد للمواجهة مع إيران

تطرح استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكثير من التحديات، أهمها المواجهة مع إيران والعلاقة مع الصين.

لم يفت ترامب التذكير بأكبر موازنة دفاعية في العالم البالغة 700 مليار دولار

 على عجلٍ أعدّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب استراتيجيته للأمن القومي. وهي خلت فعلياً من أي تصور لما ستكون عليه السياسة الأميركية في الأعوام المقبلة، على غرار ما فعل الرؤساء الأميركيون الذين درجوا على صوغ استراتيجيات للأمن منذ عام 1986. فرونالد ريغان ركّز على تدمير ما كان يصفه بـ"إمبراطورية الشر" في إشارة إلى الاتحاد السوفياتي السابق، وخلفه جورج بوش الأب عمل على ترسيخ النظام العالمي الجديد الذي نشأ على أنقاض انهيار جدار برلين، وبيل كلينتون التفت إلى "الخطر" الآتي من الصين ووثق العلاقات عبر الأطلسي، وجورج بوش الإبن بنى استراتيجيته على "الحرب العالمية على الإرهاب"، وباراك أوباما كان متأكداً أن الديبلوماسية هي الطريقة الأفضل للتعامل مع إيران.      

أتى ترامب إلى البيت الأبيض حاملاً معه استراتيجية الإنقضاض على إرث أوباما، فبدأ بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ على رغم كل المناشدات الدولية. وانسحب من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهاديء، وأطلق مفاوضات لتعديل اتفاق "نافتا" للتجارة مع المكسيك وكندا. كما انسحبت اميركا من الميثاق العالمي حول الهجرة. كل هذه القرارات يضعها ترامب في خدمة الشعار الذي رفعه "أميركا أولاً". واحتل هذا الشعار حيزاً أساسياً من استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة. ومن هنا كان تركيزه على أن روسيا والصين تتحديان زعامة أميركا للعالم، الأمر الذي لن يسمح به وأن الولايات المتحدة تملك من الامكانات والقوة للحفاظ على هذه الزعامة، ولم يفته التذكير بأكبر موازنة دفاعية في العالم تلك البالغة 700 مليار دولار.  

والنقطة الأساسية الأخرى التي أثارها ترامب في استراتيجيته للأمن القومي، هي رفضه الإخلال بـ"التوازن الإقليمي" في العالم. أي أنه لن يسمح للصين بالخروج من المحيط الهاديء، ولا لإيران بالحفاظ على دورها المتنامي في الشرق الأوسط والذي إزداد من خلال انخراط طهران في محاربة تنظيم "داعش" في سوريا والعراق.

وفي حقيقة الأمر، يسخر ترامب استراتيجيته للشرق الأوسط للوقوف في وجه إيران. وما ورد في النص، يمارسه الرئيس الأميركي واقعاً منذ اليوم الأول لدخوله البيت الأبيض. وحتى إبان حملته الرئاسية، كان ترامب يعتبر الاتفاق النووي هو "أسوأ" اتفاق فاوضت عليه الولايات المتحدة ووعد ب"تمزيقه" إذا فاز في الانتخابات. لكن الأطراف الأخرى الموقعة على الاتفاق هي التي حالت حتى الآن بين ترامب والانسحاب الصريح من الاتفاق على غرار الاتفاقات الأخرى التي انسحب منها خلال 11 شهراً من ولايته.  

وتبريراً للعقوبات التي فرضها ترامب على إيران، فإنه يذهب إلى الحديث عن مخالفة طهران لما يسميه "روح" الاتفاق النووي. والذي يعنيه بذلك هو الدور الإقليمي المتعاظم لإيران في العراق وسوريا واليمن ولبنان. هذا برأي ترامب يشكل خللاً في "التوازن الإقليمي" يجب التصدي له. وكانت إعادة ترميم العلاقات الأميركية-السعودية، التي اهتزت في عهد أوباما، إحدى الوسائل التي يتوسلها ترامب في المواجهة. وأتت قمم الرياض في آيار/ مايو الماضي في هذا السياق. ولهذه الغاية أيضاً يتحدث ترامب عن "صفقة القرن" لإيجاد تسوية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

إذ ان تسوية هذا الصراع بحسب رؤيته، تتيح حشد كل حلفاء أميركا في المنطقة من الخليج إلى إسرائيل ضد إيران. وأولى خطوات "الصفقة" كان الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، فيما تتحدث السعودية من إعداد إدارة ترامب لخطة سلام شاملة لم تكتمل عناصرها بعد وربما يجري طرحها على الأطراف اعتباراً من أوائل العام المقبل.    

ينصبّ تركيز ترامب وإدارته على الوسائل التي تتيح للولايات المتحدة خوض هذه المواجهة الشاملة مع إيران. ويندرج في مسار التصعيد اتهام المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي لإيران بأنها هي من زود الحوثيين بالصاروخ الباليستي الذي أطلقه الحوثيون على الرياض في 4 تشرين الثاني الماضي. وينضم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى هذا الجزء من الحملة الأميركية على البرنامج الصاروخي الإيراني، علماً بأن سيد الإليزيه نفسه يدافع بشراسة عن الاتفاق النووي ويؤكد تمسك باريس به. وتسعى إدارة ترامب من خلال التركيز على البرنامج الصاروخي الإيراني، إلى إقناع اطراف دولية بالإنضمام إلى حملة عقوبات جديدة على طهران. ووتناغم الموقفان الفرنسي والأميركي، عندما قال وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان   صراحة إن فرنسا غير مرتاحة "للمحور الإيراني الممتد من أفغانستان إلى البحر المتوسط".

وتستخدم واشنطن الساحات الإقليمية للضغط على إيران، وتخشى في الوقت عينه رداً إيرانياً في هذه الساحات. وهذه وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية "سي أي إي" تكشف عن توجيهها رسالة تحذير إلى قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، من مغبة استهداف القوات الأميركية التي ستبقى في العراق بعد زوال "داعش".

وفي سوريا ينتشر الجنود الأميركيون في مناطق سيطرة المقاتلين الأكراد ولا سيما في منطقة دير الزور المحاذية للحدود العراقية. والهدف من ذلك قطع التواصل البري على إيران نحو المتوسط. كذلك تحاول القوات الأميركية عرقلة الممر البري أمام طهران من المناطق الكردية في شمال العراق.    

لا تترك إدارة ترامب ساحة إلا وتحاول من خلالها الضغط على إيران بتهمة "زعزعة الاستقرار" في الشرق الأوسط. ولا تضيف الاستراتيجية المعلنة للأمن القومي الأميركي جديداً على المعركة الدائرة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً