قاسم عزالدين

كاتب لبناني وباحث في الشؤون الدولية والإقليمية

أخلاقيات "الميادين" هوية إعلامية وانتماء

لعل فلسفة التواضع في هوية إعلام "الميادين"، تعود إلى أبعاد أكثر عمقاً من السلوك الحضاري المسؤول. فهي منهج "الميادين" أساسه الانتماء إلى المشترَك الأعلى بين الناس المتعارَف عليه بحق التحرر والحق في العدالة والكرامة الوطنية واستقرار المجتمعات. وهذا المشترَك الأعلى فطرة إنسانية في ناسنا الذين يبذلون التضحيات الجمّة بحياتهم للاحتفاظ به على الرغم من الاحتلال وغزو الهمجيات في التدمير والذبح والجوع والأوبئة.

"الميادين" تعاهد نفسها على المثابرة والتألق في هويتها الإعلامية بالتقرّب من فطرة المشترَك الأعلى بين الناس أكثر
"الميادين" تعاهد نفسها على المثابرة والتألق في هويتها الإعلامية بالتقرّب من فطرة المشترَك الأعلى بين الناس أكثر

بزغت قناة "الميادين" مفعمة بطموحات الشباب، فكانت لم تزل فتيّة العود عندما شبّت على الطوق الذي يقيّد الكثير من الوسائل الإعلامية في أقفاص مزخرفة تمجّدها دوائر اختصاص سوق المنافسة، في توصيات النجاح لكسب زبائن الاستهلاك الإعلامي. لم يتوقف كثيرنا في "الميادين" بغمرة العمل اليومي الدؤوب، للتمعّن بما يردده على مسامعنا رئيس مجلس الإدارة الأستاذ غسان بن جدّو بأننا قناة متواضعة، ظنّاً بأن الأستاذ يشير إلى كفافة الماديات مقارنة ببعض الوسائل الباهرة الأخرى. لكنه يشير إلى إرساء فلسفة التواضع هوية إعلامية وانتماء، كالنسّاك الذين تذهب بهم قمّة الحكمة إلى خلع القشور قبل التجلّي وإدراك ظريق الصعود إلى صومعة فضائل القيَم العليا.

لم تخطّ "الميادين" خطّها الإعلامي في تسويق رأسمال رمزي لكسب مستهلكي تمرير الوقت الضائع أمام الشاشة. ولم تعمل على جذب زبائن عرض الانبهار أمام النجوم. فالزملاء في "الميادين" من مراسلين ومقدمي البرامج والأخبار الذين يظهرون على الشاشة متشبّعون في احتراف الإعلام بكفاءة راقية، لكنهم بمعية رؤساء التحرير والمنتجين والتقنيين يجسّدون عمق التواضع على خطى الإدارة ورئيس مجلسها في احترام الناس سبيلاً لارتقاء الذات الشخصية والمهنية. وفي هذا السبيل تتعفّف "الميادين" عن سفاسف إذكاء توتّر الغرائز بين الناس في التحريض ضد القيَم العليا أو في حضّهم على الانقسام والاحتراب والتفتيت، كما بات ميزة رائدة في بعض الوسائل للطواف على سيرة الحكواتي الذي يحبس أنفاس جمهوره في سرد أقاويل التعصّب البدائي لعنترة أو أبو زيد الهلالي.

لعل فلسفة التواضع في هوية إعلام "الميادين"، تعود إلى أبعاد أكثر عمقاً من السلوك الحضاري المسؤول. فهي منهج "الميادين" أساسه الانتماء إلى المشترَك الأعلى بين الناس المتعارَف عليه بحق التحرر والحق في العدالة والكرامة الوطنية واستقرار المجتمعات. وهذا المشترَك الأعلى فطرة إنسانية في ناسنا الذين يبذلون التضحيات الجمّة بحياتهم للاحتفاظ به على الرغم من الاحتلال وغزو الهمجيات في التدمير والذبح والجوع والأوبئة. فأمتنا تستحق السلام والفرح كما تطلق "الميادين" في بعض شعاراتها والحري بالنخب الإعلامية والثقافية الانتماء إلى ناس أمتها في التخفّف من نزق العجرفة الهوجاء بما يظنوه علماً متخصصاً أرقى من المعارف المكتسبَة على مرّ الدهر لفطرة المشترَك الأعلى بين الناس.

في اتخاذها هذا الانتماء هوية إعلامية، تجتهد "الميادين" لمواكبة أطفال فلسطين وشيوخها وأهلها في مواجهة الاحتلال ومقاومته. فهي تضع نفسها إلى جانبهم على الضفة التي يتعرّضون فيها للقتل والاعتقال ومصادرة أرضهم وزرعهم وتاريخهم ومقدساتهم. وهي الضفة نفسها التي يتضامن فيها مع فلسطين والقضايا العربية والإسلامية العادلة شعوب أميركا اللاتينية التي تشمل مواطنين من أصول عربية تتجاوز أعدادهم سكان البلدان العربية. ومن ضمن هذا الانتماء اختارت "الميادين" شعار البوصلة نحو فلسطين، فوسّعت حضورها في أميركا اللاتينية وفي كل زاوية من الكرة الأرضية إلى جانب الشعوب وأحرار العالم في رفضهم ظلم الغزو وعبوديته.

لكن هذه الضفة مواجهة لضفة مقابلة تقودها الولايات المتحدة الأميركية، حيث الدعم اللامحدود لإسرائيل بتدعيم احتلالها لفلسطين وفي تدمير البلدان والمجتمعات العربية بالغزو والحروب العسكرية والاستخبارية والاقتصادية والثقافية وفي احتضان همجيات الذبح ومحو الحضارة، أو بناء أحلاف التطبيع ومعسكرات تغيير أولويات الأعداء. ففي سياق انتماء "الميادين" في هويتها الإعلامية، تضع نفسها إلى جانب المقاومة التي تواجه إسرائيل والغزو الأميركي في حروبه المباشرة وبالوكالة. فتجتهد "الميادين" لمواكبة انتصارات المقاومة وإنجازاتها ضد العدوان الإسرائيلي وضد الغزو الأميركي وحروبه بالوكالة لتدمير سوريا والعراق والبلدان العربية الأخرى.

ولا تصمت "الميادين" صمت القبور على تدمير اليمن ومحو معالمه التاريخية، دفاعاً عن انتمائها للناس الذين يسعى العدوان لإبادتهم بالقتل وبالحصار والتجويع والأوبئة. فهي التي تؤسس مدرسة إعلامية حضارية مسؤولة في انتماء هويتها الإعلامية لحقوق الناس، تفترق عن الكثير الوسائل التي ينصب معظم عملها بالافتراء على الناس العاديين بالفطرة في اتهامهم بالجهل والتخّلف. فهي تسمهم للكسب المعنوي والسياسي بنقص المعرفة، متطوعة بالمنّ على الذين تراهم متخلّفين بمعرفة أكثر. لكن "الميادين" تعاهد نفسها على المثابرة والتألق في هويتها الإعلامية بالتقرّب من فطرة المشترَك الأعلى بين الناس أكثر، والتعلّم منها أكثر.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً