ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

إرهاب "جديد"!... ماذا عن العصابات الصهيونية؟

الادّعاء أن الدافع للقتل والترويع هو مجرّد القتل فيبدو أمراً تبسيطياً، فإرهابيو القرن الحادي والعشرين يهدفون من خلال المجازر ونشر صوَر وفيديوهات القتل والاغتصاب والسبي، تهجير السكان وإشاعة الصدمة والترويع لإدخالهم في مرحلة "الانهيار الإدراكي" الذي يدفع السكان إلى عدم المقاومة والفرار للسيطرة على الأرض من دون قتال، وهو بالضبط ما فعلته العصابات الصهيونية في القرى الفلسطينية حيث كانت أخبار القتل والحرق والتدمير تسبق الإرهابيين إلى القرى والبلدات، لدفعهم إلى النزوح الجماعي والفرار من أمام آلة القتل الصهيونية القادمة.

ينشر إرهابيو القرن 21 صوَر وفيديوهات القتل والاغتصاب، لإدخال السكان في مرحلة "الانهيار الإدراكي"
ينشر إرهابيو القرن 21 صوَر وفيديوهات القتل والاغتصاب، لإدخال السكان في مرحلة "الانهيار الإدراكي"

يُميّز الباحثون اليوم بين إرهاب جديد وإرهاب قديم، وتُشير بعض الدراسات حول الإرهاب إلى بدايات تشكّل فكرة "الجديد" في مفهوم الإرهاب، إلى أوائل التّسعينات وخاصّة بعد الهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك شباط من العام 1993، وهجوم غاز السّارين في مترو الأنفاق في طوكيو عام 1995، ثم أكّد هذا المفهوم الجديد نفسه بعد أحداث 11 أيلول 2001، بينما تشير دراسات أخرى إلى أن المفهوم يعود إلى العام 1986، حين نشرت إحدى المجلات الكندية مقالاً بعنوان "الوجه الخطِر للإرهاب الجديد"، وعرّفته بأنه حرب ضد الغرب من قِبَل شرق أوسطيين، مُدرّبين تدريباً جيداً، مُعبّأين، وينتمون إلى "الأصولية الإسلامية".

وهكذا، نجد أن مؤيّدي مفهوم "الإرهاب الجديد"، يعتمدون على مؤشّرات عدّة للتمييز بين قديم وجديد، أبرزها:

- الدافِع الديني باعتباره السمّة المُميزة للنوع الجديد، ويشيرون تحديداً إلى الإسلام الرّاديكالي، على أساس أنّ الإرهاب القديم كان يهدف إلى تحقيقِ أهدافٍ سياسيةٍ وليست دينية.

- السيطرة على الأرض، فالإرهاب القديم لم يكن يهدف أو يستطيع السيطرة على الأرض بل جلّ ما كان يريده هو التأثير على السلطة السياسية عبر الصدمة والترويع، ويشيرون في هذا الإطار إلى سيطرة داعش على أجزاء كبرى من العراق وسوريا، وسيطرة طالبان على أفغانستان، كتأكيد على هدف الحُكم و"تأسيس الخلافة" بالنسبة للإرهاب الجديد.

- استخدام وسائل أكثر فتكاً وأشدّ ترويعاً من المجموعات التقليدية، فالإرهابي "الجديد" يهدف إلى تدمير المجتمع والقضاء على أعداد كبيرة من السكّان، في حين كان الإرهابي التقليدي يكتفي بانتقاء أهدافٍ مُحدّدة يختارها بدّقة لإحداث تأثير على صانع القرار أو لدفعه إلى تغيير سياساته. إذاً، الإرهابي الجديد يستخدم القتل للقتل أي كغاية بحد ذاته وليس كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية، بحسب رأي بعض الباحثين.

- التمويل، فقد كان الإرهاب التقليدي يتلقى دعماً من مصادر ودول راعية، بينما بات اليوم يؤمّن دخلاً مستقلاً من تجارة الأسلحة والاتّجار بالبشر، وتجارة النفط والقيام بالاستثمارات التجارية، بالإضافة إلى سهولة تلقّي أموال التبرّعات من مُتبرّعين أفراد بعد انفتاح الأسواق المالية وتطوّر وسائل نقل الأموال.

وفي تحليل لما سبق، نجد أن عبارة "الإرهاب الجديد" الذي يحاول الغرب إطلاقها للتمييز بين الحركات المُصنّفة "إرهابية" قديماً بحسب المُصطلح الغربي - والتي كان جزءاً منها حركات التحرّر الوطني من الاستعمار (كالجزائر مثلاً) - وبين الحركات الإرهابية كالقاعدة وداعش وغيرها والتي يدخل تصنيفها ضمن "الحرب على الإرهاب" لتشريعها، ونلاحظ ما يلي:

إن القول إن العامل الديني اليوم هو جديد بالنسبة للدوافع الإرهابية، إنما يغفل قيام العصابات الصهيونية في منتصف القرن العشرين باستخدام الذرائع الدينية لترويع الفلسطينيين وتهجيرهم من إرضهم وقراهم عبر ممارسة الإرهاب والقتل وحرق البيوت، وفي ذلك مزاوجة واستخدام الدين لتغطية الإرهاب، تماماً كما تفعل مجموعات القاعدة وداعش وغيرها اليوم.

أضف إلى ذلك، إلى أن العصابات الصهيونية استطاعت أن تسيطر على العديد من الجغرافيا الفلسطينية وأمنّت للدولة الإسرائيلية التي أنشئت في ما بعد قرار التقسيم 1948، مساحة واسعة من الأراضي لم تكن لتسيطر عليها لو لم تقم تلك العصابات بممارسة الإرهاب على السكان المحليين للسيطرة على أراضيهم بالقوّة.

وفي ما خصّ التمويل والدعم، فقد استطاعت تلك العصابات أن تتلقى دعماً من حكومات "الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وغيرها"، ومن متموّلين يهود عبر العالم، استطاعت التأثير عليهم عبر مؤثّرات ثقافية دينية ورفع شعارات "المظلومية اليهودية" التي تحتاج إلى دعمٍ بشتّى الأشكال والوسائل لرفع الغُبن والظلم عن مجموعات اليهود المنتشرة في العالم وجلبها إلى فلسطين.

أما الادّعاء أن الدافع للقتل والترويع هو مجرّد القتل فيبدو أمراً تبسيطياً، فإرهابيو القرن الحادي والعشرين يهدفون من خلال المجازر ونشر صوَر وفيديوهات القتل والاغتصاب والسبي، تهجير السكان وإشاعة الصدمة والترويع لإدخالهم في مرحلة "الانهيار الإدراكي" الذي يدفع السكان إلى عدم المقاومة والفرار للسيطرة على الأرض من دون قتال، وهو بالضبط ما فعلته العصابات الصهيونية في القرى الفلسطينية حيث كانت أخبار القتل والحرق والتدمير تسبق الإرهابيين إلى القرى والبلدات، لدفعهم إلى النزوح الجماعي والفرار من أمام آلة القتل الصهيونية القادمة.

في النتيجة، لا يبدو أي جديدٍ في إرهاب القاعدة وداعش، بل هو صورة جديدة عن إرهاب مورِس على الفلسطينيين في منتصف القرن العشرين وتمّت تغطيته دولياً بذرائع دينية وأخلاقية. كل ما هو جديد في التمييز بين الإرهاب القديم والجديد، هو تطوّر وسائل التكنولوجيا والاتصالات، بحيث باتت صوَر القتل تنتشر على وسائل التواصل بينما كانت العصابات الصهيونية تبثّها عبر وسائل بدائية "من فم لإذن" أو عبر وسائل الإعلام التقليدية المتوافرة من راديو وتلفزيون.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً