ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

تعيين بولتون: هل من داعٍ للقلق؟

تعيين بولتون وسواه من الصقور لا يجب أن يدفع إلى القلق، فإما أن ترامب يسير على خُطى جورج بوش الإبن في قيادة أميركا نحو الانحدار، وإما أن كل تلك التعيينات لن تؤدّي إلى أيّ تعديل في السياسة الخارجية الأميركية لأن مركز صناعة القرار هو في مكان آخر غير إدارة ترامب وصقوره.

تعيين بولتون وسواه من الصقور في الإدارة، وتكرار ترامب لتجارب بوش الإبن لن تعني سوى المزيد من الخسائر للولايات المتحدة
تعيين بولتون وسواه من الصقور في الإدارة، وتكرار ترامب لتجارب بوش الإبن لن تعني سوى المزيد من الخسائر للولايات المتحدة

يُجمع المحلّلون الأميركيون على أن قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتعيين جون بولتون مستشاراً للأمن القومي، سوف يدفع إلى مزيد من العدائيّة في السياسة الخارجية الأميركية، وذلك لأنه يؤمن باستخدام القوّة في العلاقات الدولية، ويعتقد أن التغيير في كل من كوريا الشمالية وإيران، يمكن أن ينتج عن سياسة أميركية أكثر اعتماداً على القوّة وليس على الدبلوماسية، وخاصة لأنه يتشارك وترامب نفس الرؤية حول تجاهُل الاتفاقيات الدولية، وازدراء المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، كما الاتحاد الأوروبي، وخطابه مليء بالشتائم على خصومه السياسيين، كما قالت مجلة فورين بوليسي الأميركية.

وبالرغم من هذا الاتجاه السائِد لدى الصحف الأميركية، وبالرغم من سيادة جوّ عام تشاؤمي في الشرق الأوسط لهذا التعيين واعتباره مؤشراً لمزيد من التوتّر في المنطقة وخاصة في ظلّ توجّه الإدارة لاحتواء إيران، ورغبة ترامب في تمزيق الاتفاق النووي، إلا أن الواقعية تُعيدنا إلى فكرة أن تعيين بولتون لن يُغيّر كثيراً في المُعادلات الاقليمية، ولا داعٍ للقلق من هذا التعيين. وننطلق في هذا الاستنتاج، من واقع أن صوغ السياسة الخارجية الأميركية هو أمر مُعقّد، وأكبر من قدرة شخص على صوغها بمفرده، مع العِلم أن قدرة بولتون وسواه على التأثير الجوهري على تلك السياسات مُرتبطة بمَن يتّخذ القرار في النهاية (بغضّ النظر عن التأثيرات من هنا وهناك)، وهناك احتمالان:

- الاحتمال الأول أن الرئيس الأميركي ترامب بالتعاون مع مستشاريه هو مَن يُدير السياسة الخارجية الأميركية: هذا الاحتمال يُفيد أن تعيين بولتون وبومبيو قبله يعني العودة إلى ما يشبه عهد بوش الإبن، أي عسكَرة السياسة الخارجية والقرارات المُتسرّعة والتخلّي عن الحلفاء غير الداعمين، ووضع العالم أمام خيارين: معنا أو ضدّنا.

التجارب التاريخية مع بوش الإبن أثبتت عدم نجاعة تلك السياسات، لا بل نجدها قد أدّت إلى تراجُع نفوذ وصورة الولايات المتحدة الخارجية في العالم؛ فالحرب على العراق التي دعمها بولتون وكان من أشدّ المُتحمّسين لها، لم تنفع الولايات المتحدة، ولقد جهدت إدارة أوباما لتأمين استراتيجية خروج مناسِبة للجيش الأميركي من العراق، بناءً على توصيات لجنة بايكر هاميلتون.

أما وقد تمّت تجربة عسكَرة السياسة الخارجية والإستناد إلى القوّة الصلبة ولم تؤدّ إلا إلى تقلّص النفوذ الأميركي والسماح بصعود قوى إقليمية ومحلية شعبية،  بولتون بولتون

-الاحتمال الثاني وهو أن البنتاغون استفاد من الضغوط الداخلية على الرئيس دونالد ترامب، ليتحوّل إلى مُقرّرٍ وصانِعٍ أساسي وحاسِم في السياسة الخارجية الأميركية. إن هذا الاحتمال، وهو الأرجح، يعني أن الهامش المُعطى لترامب في السياسة الخارجية هو هامش ضيّق، يتجلّى في تظهير القرارات المُتّفق عليها سلفاً، وتغيير الفريق العامِل إلى جانبه، والقيام بالزيارات الخارجية الرسمية، وإبداء آرائه على التويتر. وهذا يعني أن تعيين بولتون وسواه لن يُغيّر أيَ شيء في صُنع السياسة الخارجية الحقيقية، وكل ما سيتغيّر هو زيادة الكلام العالي النبرة والشتائم تجاه الخصوم على شاشات التلفزة.

انطلاقاً من هذا الاحتمال الراجِح، كل ما يحاول ترامب فعله، هو إعطاء صورة "تخويفيّة" لإدارته، من أجل تخويف الخصوم والحلفاء على حدٍ سواء. من خلال التحليل النفسي لترامب، وما كان يُمارسه في تلفزيون الواقع، تبدو خطّة ترامب رامية إلى إعطاء صورة خارجية للعالم عن إدارة أميركية حربية، تسيطر عليها مجموعة من الصقور الداعمين للخيارات العسكرية، لتخويف الدول الأخرى من مغبّة تحدّي الإدارة الأميركية، فيدخلون في مرحلة من الإنهيار الإدراكي، ويستسلمون تحت ضغط التهديد، ويُنفّذون ما يريده الأميركيون.

النتيجة، أنه في كلا الحالين، أن تعيين بولتون وسواه من الصقور لا يجب أن يدفع إلى القلق، فإما أن ترامب يسير على خُطى جورج بوش الإبن في قيادة أميركا نحو الانحدار، وإما أن كل تلك التعيينات لن تؤدّي إلى أيّ تعديل في السياسة الخارجية الأميركية لأن مركز صناعة القرار هو في مكان آخر غير إدارة ترامب وصقوره.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً