سميح صعب

صحافي لبناني متخصص بالشؤون العربية والدولية

هل أفرغَ الصوت التفضيلي النسبية من مُحتواها؟

تقسيم الدوائر بالشكل الذي جرى، وإصرار التيّار الوطني الحر على الصوت التفضيلي، خلط الأوراق وجعل كل حزب ينحو باتجاه الخيار الذي يمكن أن يؤمّن له، الفوز بأكبرِ عددٍ من المقاعد، أو الحد من الخسائر التي يمكن أن تلحق به نتيجة القانون الانتخابي المُعتمَد. لقد بات كل حزب يريد النجاة بنفسه. ليس هذا فحسب، بل أن الصوت التفضيلي نقل المعركة إلى داخل اللائحة نفسها، وبات ثمة صعوبة في الطريقة التي يجب فيها تجيير الأصوات لهذا المُرشّح أو ذاك، لأن تجيير الأصوات لمصلحة مُرشّح واحد في لائحة مُعيّنة قد يؤثّر في احتمالات فوز المُرشّحين الآخرين داخل اللائحة نفسها. كما أن القدرة التجييرية لحزب لمصلحة حزبٍ آخر قد ضُعفت كثيراً، بفعل الخوف من فقدان الأصوات التفضيلية، لمصلحة لوائح أُخرى تحوز على الحاصل الانتخابي.

في السابع من أيار سيستفيق اللبنانيون على مشهد سياسي جديد

 أوقعت القوى اللبنانية نفسها في فخٍ قانونٍ انتخابي غامِضٍ. لا هو بالنسبي الكامل ولا هو بـ"القانون الأرثوذكسي" بالكامل. بل هو عبارة عن دمجٍ مُصطَنعٍ بين صيغة النسبية التي تُعتَبر من أرقى القوانين الانتخابية في العالم، و"القانون الأرثوذكسي" الذي كان يُطالب به التيّار الوطني الحر على أساس أنه يضمن أفضل تمثيل للمسيحيين، كونه يحصر حق اختيار النواب المسيحيين بالناخبين المسيحيين فقط، بينما يختار الناخبون المسلمون، النواب المسلمين. وأتى الصوت التفضيلي داخل اللائحة الواحدة مخرجاً بين الطرحين.

ربما كانت القوى التي أقرّت القانون الانتخابي على هذه الشاكِلة المُشوّهة، تحت ضغط المُهَل الدستورية وتحت ضغط عدم الرغبة في إجراء الانتخابات على أساس قانون الستين، لم تكن تدري الصعوبات التي ستواجهها عند وضعه موضع التطبيق.

وليس بالجديد أن تتصارع الأحزاب في لبنان على الإتيان بقانونٍ يرى فيه كل حزبٍ، أنه يؤمِّن له العدد الأكبر من المقاعد في الندوة البرلمانية. وكان القاسم المشترك الذي يجمع قوى السلطة في لبنان، هو ضرورة الخلاص من قانون الستين الذي جرت على أساسه انتخابات 2009، على اعتبار أنه قانون يقوم على مُعادلة "المحادل" التي تحرم جزءاً واسعاً من الناخبين من التمثيل الحقيقي، ولا بدّ من العمل على اجتراح قانون جديد يؤمّن صحّة التمثيل من خلال منح كل القوى مهما كبُرت أو صغُرت، فرصة المشاركة في العملية الانتخابية والفوز بحجمٍ مُعيّن من التمثيل.

ومع اقتراب موعد الانتخابات وأمام استحقاقات تركيب اللوائح، بانت عيوب القانون. والعيب الأساس يكمُن في التصويت التفضيلي، الذي ألغى كثيراً من مفاعيل النسبية وما كان يمكن أن تتركه من أثرٍ في تحديث فعلي لعملية إنتاج السلطة في لبنان. فإذا بالصوت التفضيلي يُطيح بكل مزايا النسبية.

وإذا انتقلنا من التجريد إلى الواقع، نجد أن بعض الأحزاب قد تحالفت مع بعضها في دوائر بينما تختصم في دوائر أخرى. هذه بدعة لجأت إليها الأحزاب والقوى اضطراراً، كي تتجنّب الضرر الذي سيلحقه بها الصوت التفضيلي في هذه الدائرة أو تلك. ولذلك ضاع الاصطفاف التقليدي بين ما أُصطلِح على تسميته بقوى 14 آذار و8 آذار. هنا تجد أن جزءاً من 8 آذار يتحالف في دائرة مُعيّنة مع جزء من 14 آذار، بينما التحالفات التي سادت بين "حزب الله" والتيّار الوطني الحر في انتخابات 2009، ليست حاضرة بقوّة في انتخابات 2018. حتى أنه في بعض الدوائر هناك تنافُس بين الجانبين مثل دائرة كسروان -جبيل. التيّار الوطني الحر ذهب إلى إقامة تحالف مع الجماعة الإسلامية في دائرة صيدا - جزين ودائرة عكار.

وما يصحّ على "حزب الله" والتيّار الوطني الحر، يصحّ أيضاً على تيّار المستقبل وحزب القوات اللبنانية، إذ يتواجه الجانبان في كل الداوئر، بعدما كانا حليفين في2009. وللصوت التفضيلي هنا دور أساس أيضاً بقدر ما لتردّي العلاقة عموماً بين الفريقين بسبب اختلاف رؤيتهما لما يجب أن تكون عليه سياسة الحكومة، أو للتسوية التي أتت بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية أو الخلاف على ملف بواخر الكهرباء أو موقف رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع بعد الالتباس الذي أحاط باستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري في 4 تشرين الثاني من السعودية.  

إذن تقسيم الدوائر بالشكل الذي جرى، وإصرار التيّار الوطني الحر على الصوت التفضيلي، خلط الأوراق وجعل كل حزب ينحو باتجاه الخيار الذي يمكن أن يؤمّن له، الفوز بأكبرِ عددٍ من المقاعد، أو الحد من الخسائر التي يمكن أن تلحق به نتيجة القانون الانتخابي المُعتمَد. لقد بات كل حزب يريد النجاة بنفسه. ليس هذا فحسب، بل أن الصوت التفضيلي نقل المعركة إلى داخل اللائحة نفسها، وبات ثمة صعوبة في الطريقة التي يجب فيها تجيير الأصوات لهذا المُرشّح أو ذاك، لأن تجيير الأصوات لمصلحة مُرشّح واحد في لائحة مُعيّنة قد يؤثّر في احتمالات فوز المُرشّحين الآخرين داخل اللائحة نفسها. كما أن القدرة التجييرية لحزب لمصلحة حزبٍ آخر قد ضُعفت كثيراً، بفعل الخوف من فقدان الأصوات التفضيلية، لمصلحة لوائح أُخرى تحوز على الحاصل الانتخابي.  

إنها خلطة انتخابية عجيبة يَصعُب معها التكهّن بالنتائج. كما أن الحاصل الإنتخابي في بعض الدوائر، يجعل من المستحيل على بعض القوى الجديدة التي تخوض التجربة الانتخابية للمرة الأولى على نطاق واسع، مثل قوى المجتمع المدني، أن تُحرز حاصلاً يُؤهّلها الدخول في المنافسة.   

لا شك أن القانون الانتخابي الحالي، سيفرز برلماناً لا وجود فيه لأكثريات واضحة كما كان شأن البرلمانات اللبنانية السابقة. وربما كان ذلك أحد الأسباب التي تجعل القوى المُتنافسة، تطرح شعار محاربة الفساد باعتباره يُخاطب حسّ المواطن العادي المكتوي من زيادة مديونية الدولة، ومن ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما مزاريب الهدر أكثر من أن تُحصى. لكن تركيبة النظام الطائفي تُقيّد المضيّ في المحاسبة. وبذلك تُضحي محاربة الفساد والصفقات، شعاراً فضفاضاً غير قابلٍ للتحقيق، وإنما محاولة للعب على وتر العبء الاقتصادي الذي يُثقِل كاهل اللبنانيين، بينما أي من الفرقاء الموجودين في السلطة لا يمتلك عصاً سحريةً للحل.  

وبغية شدّ العَصَب لدى القواعد الانتخابية لهذا الفريق أو ذاك، يتصاعد تراشق الاتهامات بالفساد، فضلاً عن تصوير المعركة بين فريق يريد بناء الدولة والمؤسّسات وفريق يريد تعطيل الدولة أو الهيمنة على القرار السياسي، وفق ما هو حاصل بين تيّار المستقبل و"حزب الله". وحتى أن ثمة أفرقاء مثل القوات اللبنانية وأشرف ريفي ولوائح في بيروت الثانية وطرابلس وعكار والبقاع الشمالي، يتّهمون الحريري بالتساهُل مع "حزب الله".

في السابع من أيار سيستفيق اللبنانيون على مشهد سياسي جديد، مبني على نتائج عملية انتخابية لم يختبرها اللبنانيون. إلا أنه مهما كانت المفاجآت، فإن لبنان يبقى محكوماً بتوازناته الطائفية، التي هي أساس النظام.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً