ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

انتخابات لبنان: لماذا يخفق الغرب في قراءة مجتمعاتنا؟

بشكلٍ عام، يتعامل الغرب مع القضايا العربية بعقليّة "الرجل الأبيض"، أي أنه يستطيع أن يقرّر نيابة عن الشعوب، ويدرك مصلحتها أكثر مما تعرفها هي، وهو بالضبط ما جعل الأميركيين يحوّلون العراق إلى دولة فاشلة بعد السيطرة عليها عام 2003.

اللافت كان في عدم استطاعة أية لائحة أو شخصية من الطائفة الشيعية على اختراق لوائح الثنائي الشيعي "أمل وحزب الله"

انتهت انتخابات لبنان إلى النتائج التي انتهت إليها، وسوف تنكّب الأقلام في الأسابيع المقبلة على إشباعها تمحيصاً وتدقيقاً ودروسًا وعبراً للأحزاب والتيارات كافة لتعمل على سدّ الثغرات التي شابت عملها وأوصلتها إلى تلك النتائج، أو البناء على ما تحقّق من انتصارات.

ولعلّ اللافت كان في عدم استطاعة أية لائحة أو شخصية من الطائفة الشيعية على اختراق لوائح الثنائي الشيعي "أمل وحزب الله"، وبالتالي حصد هذا التحالف كل مقاعد الشيعة تقريباً في لبنان، ما استدعى تعليقات إسرائيلية تشير إلى أن "حزب الله  عزّز قبضته على لبنان" وأن ذلك سيحرج الولايات المتحدة وحلفاءها في لبنان وغيرها من التعليقات الإسرائيلية التي تتحدّث عن "سيطرة حزب الله على لبنان". كما نلاحظ تعليقات عدّة للإعلام الغربي الأميركي والأوروبي يصف فيها الانتخابات بأنها "جعلت لبنان تحت سيطرة حزب الله وإيران".

وبغضّ النظر عن مدى صحّة السيطرة على لبنان أو عدمها، يبدو أن الإسرائيليين يريدون استخدام انتصار حزب الله وحلفائه في الانتخابات النيابية اللبنانية لتبرير أية حرب عدوانية مقبلة على لبنان. عِلماً أن هناك بعض المظاهر التي كانت لافتة للنظر في تعاطي الإعلام الغربي مع انتخابات لبنان وخاصة في المناطق الشيعية سواء قبل حصولها أو بعده.

قبل الانتخابات النيابية بأيام، تحدّث الإعلام الغربي عن أن بيئة حزب الله باتت تتململ من عدم الإنماء والتهميش، وتحدّثت وال ستريت جورنال عن أن "البقاعيين يريدون أشغالاً وليس مزيداً من الشهداء". ولعلّ مبالغة هذا الإعلام في التركيز على اللوائح المُنافسة لحزب الله وحركة أمل في مناطقهما، وإظهار أية شخصية معارضة لهؤلاء كقوّة تغييرية سوف تقوّض نفوذ الحزب في مناطقه، بالإضافة إلى التركيز على مستويات الفقر والبطالة والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها تلك البيئات خاصة البقاعية منها، هو الذي كوّن انطباعاً لدى القارئ أو المُتتبّع الأجنبي أو العربي بأن مسألة اختراق الثنائي باتت أقرب من ذي قبل، وهو الذي جعل الفوز الساحِق يشكّل صدمة.

بشكلٍ عام، يتعامل الغرب مع القضايا العربية بعقليّة "الرجل الأبيض"، أي أنه يستطيع أن يقرّر نيابة عن الشعوب، ويدرك مصلحتها أكثر مما تعرفها هي، وهو بالضبط ما جعل الأميركيين يحوّلون العراق إلى دولة فاشلة بعد السيطرة عليها عام 2003.

وحتى ضمن المشاريع والخطط الاستراتيجية التي تُخطّط للمنطقة، يعتمد الغربيون على تحليلات غربيين أو عرب يعملون لصالحهم، ونلاحظ أن المراسل الغربي بمجرّد وصوله والسكن بضعة أشهر في المنطقة أو بمجرّد إتقانه للغة العربية فهو يتحوّل خبيراً في المنطقة يُحلّل ويتنبّأ بمستقبلها. أما إبن المنطقة الخبير، فهو يُدرك تماماً أن عليه أن يقول ما يودّه مشغّلوه، وإلا لما تعاقدوا معه ولما وظّفوه، إذ يشتهر في الغرب اليوم ما يُسمّى "الصحيح سياسياً politically correct" أي عدم قدرة الشخص على تخطّي الرأي الجَمْعي السائد وإلا تعرّض للنبذ والإقصاء. من هنا، نفهم كيف أخطأ الغربيون في تقدير مجريات الحرب السورية، وتحدّثوا عن "أيام أو أشهر معدودة لبشّار الأسد"، بالإضافة إلى الإيمان الغربي والأميركي تحديداً من أن رغبة العرب بالتغيير سوف تدفعهم إلى القبول بحُكم الأخوان المسلمين حصراً لمجتمعاتهم، وهو ما ثبت عدم صحته.

انطلاقاً مما سبق، ولكي لا تتكرّر المفاجآت للغربيين بشكلٍ دائم، يبدو الإعلام الغربي بحاجة إلى مراجعة شاملة لنظرته إلى المنطقة، فلا يمكنك أن تدرك توجّهات شعب أو تتنبّأ بخياراته من دون إدراك الثقافة الجمعية التي يعيشها، والتي تحدّد سلوكه الانتخابي، والتي تدفعه إلى خيارات سياسية قد لا يفهم العقل الغربي منطلقاتها تماماً.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً