ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

مسيحيو المشرق وفلسطين: أبواق التخوين

قد يكون من المُفيد الإضاءة على مواقفِ المسيحيين المشرقيين من قضية فلسطين لفَضْح البروباغندا الإعلامية والسياسية التي روّجها الغرب وانساق فيها العرب من دون تفكير وهي: إن القضية الفلسطينية وقضية القدس بشكلٍ خاص هي قضية إسلامية في وجهِ اليهودية المدعومة من المسيحيين، وذلك بهدفِ تحويل القضية إلى صِراع ديني وحقوق توراتية ما يحرفها عن إطارها الصحيح ألا وهو اغتصاب الأرض وتشريد أهلها واستباحة الدم الفلسطيني المسفوك ظلماً وعدواناً.

المواقف الرئيس عون في القمم العربية والمحافل الدولية، تأكيداً على أن أصوات مسيحيي المشرق لن تكون خافِتة بعد الآن
المواقف الرئيس عون في القمم العربية والمحافل الدولية، تأكيداً على أن أصوات مسيحيي المشرق لن تكون خافِتة بعد الآن

بعد 70 عاماً على نكبة فلسطين، تطلّ على الفلسطينيين والعرب عموماً، نكبة من نوعٍ آخر؛ نكبة تتجلّى في إعلان أميركي واضح وصريح بإعلان القدس عاصمة لدولة "إسرائيل"، واتجاه لإعلان مدعوم من دول عربية وخليجية حول صفقة القرن والتي تعني في ما تعنيه - وكما تسرّب منها - أنها مؤامرة تامة على فلسطين والفلسطينيين، واتجاه لتكريس غزّة باعتبارها كامل حدود فلسطين التاريخية، عدم عودة اللاجئين وتوطينهم في أماكن لجوئهم وإنهاء القضية الفلسطينية بشكلٍ تام.

وقد يكون من المُفيد الإضاءة على مواقفِ المسيحيين المشرقيين من قضية فلسطين لفَضْح البروباغندا الإعلامية والسياسية التي روّجها الغرب وانساق فيها العرب من دون تفكير وهي: إن القضية الفلسطينية وقضية القدس بشكلٍ خاص هي قضية إسلامية في وجهِ اليهودية المدعومة من المسيحيين، وذلك بهدفِ تحويل القضية إلى صِراع ديني وحقوق توراتية ما يحرفها عن إطارها الصحيح ألا وهو اغتصاب الأرض وتشريد أهلها واستباحة الدم الفلسطيني المسفوك ظلماً وعدواناً.

لم يكن الصوت المسيحي - خاصة اللبناني - الداعِم لفلسطين عالياً في كل فترات الصراع العربي الإسرائيلي، بل نلاحظ أنه تباين بفعل التطوّرات السياسية التي حصلت، ونذكر أهم المراحل وفيها:

1- منذ بداية القرن الـ 20 حتى أواخر الستينات:

كان المسيحيون العرب روّاد القومية العربية، وقد وعوا مبكراً خطورة ما يُحاك لفلسطين وللعرب بشكلٍ عام، فقد نبّه نجيب العازوري عام 1904، إلى "أن صراعاً سينشأ بين القومتين العربية والصهيونية وعليه يتوقّف مصير منطقة الشرق الأوسط بأكملها، بل إنه "طوّرها" ليقول إن الصراع بين الصهيونية والعرب يتوقّف عليه لا مصير المنطقة وحسب، بل ومصير العالم أيضاً"...

ثم مع إقرار الأمم المتحدة قرار التقسيم، وإعلان "دولة إسرائيل"، تنبّه كل من ميشال شيحا وشارل مالك إلى خطورة ما حدث، فاعتبر ميشال شيحا أن "قرار إنشاء إسرائيل هو جريمة ضد الطبيعة، ضد الأخلاق والتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، وإن الصيغة التوافقية والتفاعُلية الحضارية اللبنانية هي النقيض للصيغة العنصرية الإسرائيلية، لذا هي في خطر جسيم"، وأضاف "إن صراعاً بين إسرائيل والعرب، وفي مقدّمهم لبنان، هو صراع وجود وحدود معاً".

أما شارل مالك، فقد نبّه في تقريره المُرسَل إلى الدولة اللبنانية عام 1949، من مغبّة أن يحصل "اتفاق خفيّ بين إسرائيل وبين بعض اللبنانيين القصيري النظر، فيحدثون انقلاباً موالياً لإسرائيل"، مؤكداً أن "انقلاباً كهذا يجرّ حتماً إلى الفوضى، فتدخلٌ سوري عربي، فتدخلٌ إسرائيلي، وبالتالي إلى حربٍ جديدة، لن يكون لبنان الكاسِب فيها على الإطلاق".

2- مرحلة العمل الفدائي الفلسطيني وتأثير الحرب اللبنانية:

بعد انحسار موجة القومية العربية التي كان المسيحيون من أبرز روّادها، وبعد نشوء منظمة التحرير الفلسطينية وتوقيع اتفاق القاهرة الذي شرّع العمل الفدائي الفلسطيني انطلاقاً من لبنان، كان للحرب اللبنانية بما فيها من ذكريات سيّئة، وانحراف البوصلة السياسية والجهادية عن فلسطين. وعلى أثر انخفاض أعداد المسيحيين الشرقيين بشكلِ مُطرد، وانخراط الفلسطينيين في مؤتمرات السلام، وانقسام العالم العربي بين محور "الاعتدال" ومحور "المُمانعة" الخ.. انخفض الصوت المسيحي الداعِم لفسطين القضية، وطغى صوت ميليشيات اليمين المسيحي على ما عداها. ولعلّ موجة التخوين التعميمية للمسيحيين التي سادت في أوساط اليسار والميليشيات الإسلامية والحركة الوطنية اللبنانية، قد ساهمت بشكلٍ كبيرٍ في خنْق أية محاولة مسيحية عروبية للتميّز في موضوع فلسطين والموقف من الفلسطينيين.

3- مرحلة ما بعد التفاهُم بين حزب الله والتيّار الوطني الحر:

لقد أخرجت وثيقة التفاهم التي وُقّعت بين التيّار الوطني الحر وحزب الله، الجميع من الشرانق الطائفية التي وضعوا أنفسهم بها ، وبخاصة المسيحيين الذين كان يُنظر إليهم شزراً منذ الحروب الصليبية، وتخوينهم بشكلٍ جماعي عند أية ممارسة أو خطاب فردي.

ولعلّ خطاب وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في قمّة مؤتمر التعاون الإسلامي الاستثنائية التي ناقشت وضع القدس مؤخراً، أتى للتأكيد على أن لبنان بجناحيه المسيحي والمسلم قد توحّد في النظرة إلى قضية فلسطين، ولطيّ صفحة الشرذمة والانقسام التي رافقت الانتخابات النيابية اللبنانية لعام 2018. ولقد تبيّن بشكلٍ واضحٍ، أن أية محاولة لدقّ إسفين بين اللبنانيين لن تكون قادرة على حَرْف الأنظار عن فلسطين وقضيتها، وإن أبواق التخوين الجماعية للمسيحيين التي تعلو عند كل مناسبة، ما هي إلا أصوات مُتآمرة تهدف إلى طعن فلسطين بالدرجة الأولى وطعن المقاومة بالدرجة الثانية.

لقد أخرح التيّار الوطني الحر بتفاهُمه مع حزب الله والانفتاح الذي أقامه مع مختلف القوى السياسية في لبنان، المسيحيين من القوقعة التي أُدخلوا فيها قسراً، وأعاد إدخالهم في المحيط الطبيعي الواجب ان يكونوا فيه. وقد تكون حرب تموز وما بعدها، والأداء والمواقف التي أطلقها رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون في القمم العربية والمحافل الدولية، تأكيداً على أن أصوات مسيحيي المشرق لن تكون خافِتة بعد الآن، وإن أية مراهنة على انقسام عربي مسيحي إسلامي، يستفيد منه الإسرائيليون هو ضرب من الوَهْمِ والخيال، وصنفٌ من صنوف المؤامرة لن يمرّ.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً