ليلى نقولا

أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية

مُحاكمة إسرائيل على جرائمها: إلى متى؟

إن ادّعاء إسرائيل بأنها ليست طرفاً وبالتالي ليس للمحكمة اختصاص عليها يصحّ فيما لو كانت الجرائم المُرتكَبة قد حصلت على أراضٍ "إسرائيلية، لكن وبما أن ممارسة إسرائيل للقتل العمد وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد حصلت على "الأراضي الفلسطينية" فهذا عامل يسمح لفلسطين بمُقاضاة الإسرائيليين على ارتكابهم هذه الجرائم، استناداً إلى أن الجرائم التي قد حصلت على أرض دولة عضو في نظام روما الأساسي وقد قبلت اختصاص المحكمة للنظر في هذه الجرائم (المادة 12/ 2- أ).

لقد تقدّم الفلسطينيون خلال أيار الماضي، وبعد سلسلةٍ من الارتكاباتِ الاسرائيليةِ بحقِ الفلسطينين العُزّل
لقد تقدّم الفلسطينيون خلال أيار الماضي، وبعد سلسلةٍ من الارتكاباتِ الاسرائيليةِ بحقِ الفلسطينين العُزّل

في 7 كانون الثاني 2015 انضمّت دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي وقبلت فلسطين اختصاص المحكمة على الجرائم التي تمّ ارتكابها «في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ضمنها القدس الشرقية، منذ 13 حزيران 2014». وبالرغم من الانضمام وتقديم الطلب الفلسطيني إلا أن المحكمة لم تبدأ إجراءات التحقيق تمهيداً للمحاكمة.

ولقد تقدّم الفلسطينيون خلال أيار الماضي، وبعد سلسلةٍ من الارتكاباتِ الاسرائيليةِ بحقِ الفلسطينين العُزّل، بطلبٍ جديدٍ إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم المُرتكَبة من قِبَل الإسرائيليين؛ ومنها الاستيطان، والفصل العُنصري، والقيام بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتي تتجلّى في تشريد الفلسطينيين، والقتل العمْد، والإعدام خارج إطار القانون، والمصادرة غير القانونية للأراضي، وهدْم منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم، وكذلك ممارستها للاعتقال التعسفي والتعذيب على نطاقٍ واسعٍ.

وبالرغم من وضوح هذه الجرائم وارتكابها على الملأ وبطريقةٍ علنية وقيام العديد من المنظمات الدولية والاقليمية بتوثيقها، تذرّعت إسرائيل بأن الطلب الفلسطيني "سخيف" لأن "فلسطين ليست دولة" ولأن "إسرائيل ليست عضواً في نظام روما الأساسي".

من هنا، كان لا بدّ من تفنيد الذرائع الإسرائيلية:

1- فلسطين "الدولة" كشرطٍ لاختصاص المحكمة
في 22 كانون الثاني 2009 أودع وزير العدل في الحكومة الفلسطينية لأول مرّة إعلاناً يقبل بممارسة المحكمة الجنائية الدولية لولايتها القضائية بشأن «الأفعال التي ارتكبت في الأراضي الفلسطينبة منذ الأول من تموز 2002» وذلك بموجب المادة 12 من نظام روما الأساسي التي تحدّد الشروط المُسبَقة لممارسة اختصاصها.

وقد اختلفت الآراء القانونية بشأن الصلاحية القانونية للتحقيق في الجرائم الإسرائيلية؛ حيث اعتبر البعض في المحكمة أن المادة 12 من نظام روما لا تنطبق على فلسطين لأنها ليست دولة مُعتَرف بها دولياً، ودفع البعض الآخر باتفاقية أوسلو للقول إن السلطة الفلسطينية قد تنازلت عن حقها في مُقاضاة إسرائيليين بموجب تلك الاتفاقية.
وكان على انضمام فلسطين إلى الجنائية الدولية أن يتأخّر إلى 7 كانون الثاني 2015 حين أعلنت المحكمة انضمام دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي وقبلت فلسطين اختصاص المحكمة على الجرائم التي تمّ ارتكابها "في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ضمنها القدس الشرقية، منذ 13 حزيران 2014".
وبناءً على ذلك بدأت المدعيّة العامة الدولية فاتو بنسودا دراسة أوليّة للحال في فلسطين في 16 كانون الثاني 2015.

وفي 16 كانون الأول 2017، انتخبت جمعية الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، دولة فلسطين عضواً في مكتب جمعية الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية.

وهذا يعني أن فلسطين هي دولة كاملة العضوية في نظام روما الأساسي وأن التذرّع الإسرائيلي بعدم اختصاص المحكمة، لأن فلسطين ليست دولة لا يمكن الاعتداد به بعد قبول المحكمة بعضوية دولية فلسطين، عِلماً أن المحكمة لا تقبل عضوية غير الدول، وهذا يعني أن فلسطين استوفت شروط الانضمام للمحكمة ويمكن اعتبارها دولة.

2- إسرائيل ليست عضواً في نظام المحكمة

بالمبدأ، تمارس المحكمة اختصاصها في ما يتعلق بجريمة معينة:

أ) إذا أحالت دولة طرف إلى المدعي العام حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر قد ارتُكِبت.

ب) إذا أحال مجلس الأمن، متصرّفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتُكِبت.

ج) إذا كان المدّعي العام قد بدأ بمباشرة تحقيق في ما يتعلّق بجريمة من هذه الجرائم وفقاً للمادة 15.

ولكن يضيف نظام روما الأساسي حالات أخرى يمكن الاستناد إليها من ضمن "الشروط المُسبقة لممارسة الاختصاص"، وهي المُدرَجة في المادة 12(2)، فإنه يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إذا كانت "الدولة التي وقع في اقليمها السلوك قيد البحث" طرفاً في النظام الأساسي أو قبلت باختصاص المحكمة.

من هنا، فإن ادّعاء إسرائيل بأنها ليست طرفاً وبالتالي ليس للمحكمة اختصاص عليها يصحّ فيما لو كانت الجرائم المُرتكَبة قد حصلت على أراضٍ "إسرائيلية، لكن وبما أن ممارسة إسرائيل للقتل العمد وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد حصلت على "الأراضي الفلسطينية" فهذا عامل يسمح لفلسطين بمُقاضاة الإسرائيليين على ارتكابهم هذه الجرائم، استناداً إلى أن الجرائم التي قد حصلت على أرض دولة عضو في نظام روما الأساسي وقد قبلت اختصاص المحكمة للنظر في هذه الجرائم (المادة 12/ 2- أ).

بكل الأحوال، إن قبول المحكمة بالاضطلاع بمهمة التحقيق في تلك الجرائم التي حصلت على أرض فلسطين، لا يعني أن المعّوقات السياسية والضغوط الدولية لن تكون عائقاً أمام تحقيق العدالة الدولية، لكن يبقى أن إثبات الحق الفلسطيني في هذا الشأن أساسي، عسى أن تتبدّل الظروف الدولية يوماً فيكتسب الفلسطينيون القوّة اللازمة لمحاسبة إسرائيل على جرائمها المُرتكَبة في غزّة والضفة الغربية والتي تضاف يومياً إلى جريمة احتلال الأرض وتشريد أهلها في الأساس.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً