صلاح السقلدي

كاتب صحافي يمني

الرياض وأبوظبي، الغرق في الوحل اليمني

بعد قُرابة ثلاثة أعوام ونصف العام مِــنْ الحرب التي أعلنتها المملكة العربية السعودية في اليمن تحت إسم تحالف عربي" افتراضي" هو التحالف العربي وبمشاركة عسكرية يتيمة إلى جانبها - مشاركة إماراتية-،وبعد أن بشّــرتْ المملكة بيمنٍ جديدِ مزدهرِ وموحّـد خالٍ من الصراعات والتدخّلات الخارجية ، وبمنطقة عربية أكثر أمناً واستقرارا وخاصة في البحر الأحمر وباب المندب، بعد أن يتم قطع اليد الإيرانية في اليمن- بحسب الإعلام الخليجي والسعودي بالذات.

  • الانتصارات السورية المُتلاحقة ضد الجماعات الإرهابية المدعومة أميركياً وإسرائيلياً وخليجياً قد ضاعفت من منسوب هستيريا التصعيد الأميركي

وبحسب تصريحات مسؤوليه منذ الليلة الأولى لهذه الحرب التي أعلنها السفير السعودي من واشنطن حينها عادل الجبير في مارس 2015م-،فها هو اليمن شماله وجنوبه في أسوأ حال له في تاريخه على الإطلاق، يمن تفتك به الأمراض والأوبئة، ويتناهبه الفقر والجوع وتفترسه الصراعات الداخلية والطائفية المموّلة سعودياً وإماراتياً، وإلى حد ما قطرياً، وتمزّق أوصاله مخالب الجماعات الإرهابية المتطرّفة الوهّابية وغيرها من الجماعات العنيفة، وتضـــرّسه أنياب المليشيات المختلفة التي تتناسل كفطرٍ في الجنوب بالذات، ويستبد به" اليمن" الفساد بقسوة لا نظير لها في وضع اللادولة الذي بمر به، كما تتقاذفه الأحقاد والضغائن ليس فقط بين الشمال والجنوب بل بين الجنوبيين أنفسهم ، وبين الشماليين ذاتهم، بعد أن صار كل طرف غارقاً بوحل صراعاته الداخلية - ومن خلفه وأمامه الغريقان السعودي والإماراتي- هذه الصراعات المموّلة بالمال والسلاح والفكر الخليجي، وبمستنقع الضياع والتشظّي،بعد أن أقحمتْ هذه الحرب الشمال في صراع طائفي خطير، أو هكذا يُراد لها أن يكون، ناهيك عن أشكال لا حصر لها من الصراعات .
وفي الجنوب الذي أضحى ساحة لتصفية الصراعات الاقليمية أعتقد جزء كبير من نُــخبه الثورية بكل سذاجة وسُـــخف أن السعودية ذات الحُكم الملكي الانغلاقي أتت بقضّها وقضيضها لتحرّره وتستعيد له دولته المنشودة" دولة الجنوب التي كانت قائمة حتى عام الوحدة مع الشمال عام 1990م" قبل أن تكتشف هذه النُــخب شيئاً فشيئاً وهي التي ساقت الآلاف من شباب الجنوب إلى محرقة حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمَل،وخصوصاً المعارك التي تدور خلف الحدود الجنوبية في الشمال وبالذات على الساحل الغربي "حروب بالوكالة" ، كما أرسلت بكل بلاهة الآلاف أيضاً إلى الحد الجنوبي السعودي اكتشفت أي النُخب الجنوبية أنها وقعت ضحية لأكبر خديعة بالتاريخ وهي ترسل هؤلاء الضحايا وتسوقهم معصوبي الأعين كالأنعام إلى بازار النخاسة البشرية جماعات ارتزاق على غرار مرتزقة "بلاك ووتر سيّئة الصيت والسمعة" ، وجماعة أشهر مرتزقة التاريخ المعاصر "بوب دينار"، في ذات الوقت الذي استغلت السعودية والامارات قضية الجنوب أسوأ استغلال.

وها هي المنطقة العربية والبحران الأحمر والعرب، وها هما الممران الدوليان الحيويان فيها" باب المندب وهرمز، يمران بأخطر وضع أمني لهما منذ عقود، بل والمنطقة العربية بأسرها تمر في أصعب مراحلها من التأزّم والتفجّر،في وقت تُذكي فيه الرياض الواقعة تحت حال مزمنة من :إيران فوبيا" ومعها وواشنطن وتل أبيب نيران الحروب في كل الأصقاع من شمال الشام إلى جنوب الصومال وحتى المغرب العربي، وتشعل الحرائق في كل أرجاء المنطقة لأهداف إسرائيلية أميركية بالمقام الأول وبأموال وثروات عربية للأسف.

قبل أيام دخلت الحرب في اليمن، بل المنطقة كلها في منعطف خطير من التأزّم حين تعرّضت سفن سعودية تخوض حرب استنزاف باهظة الكُــلفة والسمعة في البحر الأحمر لهجمات من قِبلِ الجانب اليمني ممثلاً بالحركة الحوثية،أعلنت الرياض على إثرها وقف تصدير نفطها عبر باب المندب، كمؤشّرٍ واضحٍ على انحدار الوضع برمّته نحو هــوّة سحيقة من الصراع الإقليمي والدولي، وكدليل صريح على فشل هذه الحرب وضياع بوصلتها وهي الحرب" الورطة" التي تؤكّد الوقائع كل يوم أنها اعتمدت على قاعدة بيانات مغشوشة ومغلوطة لا تتّسق مع حقيقة قوام وطبيعة قوات وجماهير الخصم المستهدف بهذه الحرب : الحركة الحوثية" أنصار الله" وقوات وحزب الرئيس السابق صالح ،حزب المؤتمر الشعبي العام".

حرب أشبه بفخ واستدراج وقعت فيهما الرياض وأبو ظبي كنسخة مُشابهة لفخّ واستدراج الرئيس العراقي الراحل صدّام حسين بغزوه الكويت في آب أغسطس 1990م، حين نجحت واشنطن بجر رجله إلى شرَك نهايته المأساوي ومصير بلاده العراق الذي انتهىت به الحال إلى تحت الاحتلال الأميركي ، يتزامن هذا الإخفاق اليوم وهذه التطوّرات الخطيرة الأخيرة في البحر الأحمر وباب المندب ، مع حملة إعلامية سعودية إماراتية استثمرت بدهاء واقعة استهداف السفن" البوارج" السعودية لحشد العالم ضد إيران وضد الحركة الحوثية، وللبحث عن دعمٍ عسكري دولي يخرجهما من هذه الورطة ، حيت تماهت هذه الحملة الإعلامية الخليجية مع الحملة الإعلامية الأميركية الإسرائيلية واسعة النطاق ضد طهران بعد أن دخل النفط بقوّة كعنصرٍ بالصراع في المنطقة على خلفيّة قرار واشنطن خنق إيران ومحاصرتها اقتصادياً من خلال منع تصديرها النفط للسوق العالمية، وفرض عقوبات على الدول والشركات الدولية العاملة والمُتعامِلة مع إيران ، وتهديدات طهران بالرد على هذا الإجراء الأميركي بإغلاق مضيق هرمز في حال تم تنفيذ الحصار..
لا شك أن الانتصارات السورية المُتلاحقة ضد الجماعات الإرهابية المدعومة أميركياً وإسرائيلياً وخليجياً قد ضاعفت من منسوب هستيريا التصعيد الأميركي الإسرائيلي السعودي في المنطقة، وألقت تلك الانتصارات بظِــلالها الكئيبة على صُــنّاع القرار في واشنطن وتل أبيب والرياض، وعكست نفسها سلباً على أجندات هذه العواصم وبعثرت من فوق طاولاتها أوراقاً وإضبارات كثيرة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً