عبد السلام هرشي

كاتب وصحافي تونسي

الأزمة الاجتماعية تتفاقم في تونس

تحكي أمل المكي تجربتها مع أزمة نقص الأدوية في تونس فتقول "في طريقي إلى البيت مررت بالصيدلية لأقتني علبة فيتامين E. أجابتني الصيدلانية أنه لم يعد متوافراً. سألتها إن كان هناك ما يعوّض النوع الذي طلبته فأخبرتني أنّ كامل مخزون الفيتامينات والمكمّلات الغذائية قد نفد لديهم منذ فترة". لم تكن هذه سوى علبة فيتامين والتي تُعتبَر مكمّلاً غذائياً يُعتَبر غير مهم مقارنة ببقية الأدوية فماذا إذا تحدّثنا عن أصحاب الأمراض المستعصية.

سجّل المخزون الوطني التونسي من العملة الصعبة أدنى مستوى له في 2018
سجّل المخزون الوطني التونسي من العملة الصعبة أدنى مستوى له في 2018

"نحن لسنا في أزمة وليس لدينا نقص في الدواء"، هكذا أجاب وزير الصحة عماد الحمامي عن استفسار المذيعة حول نقص الأدوية مُضيفاً: "في المرة الفارطة لم أجد دوائي في الصيدلية القريبة من الوزارة فأرسلت سائقي الخاص، وما هي إلا دقائق حتى أتى لي بالدواء المطلوب". خلّف هذا التصريح جدلاً كبيراً في أوساط المجتمع وخاصة روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أن البعض أصبح يطالب بتهكّم برقم هاتف السائق، فيما كتب آخرون تدوينات يطالبون بسائق شخصي لكل مواطن. كان هذا جانب من أزمة اجتماعية خلّفهتها مشاكل الاقتصاد التونسي، خلَّف نقص الدواء حسب وسائل إعلام محلية عديد الضحايا ممن يعانون من الأمراض المزمنة. صعوبات تواجه القطاعات الاقتصادية في تونس ازدادت تدهوراً بعد الأرقام الأخيرة التي تم تسجيلها حيث بلغت نسبة التضخّم 7.5% بعد أن كانت 4.6% في كانون الثاني/يناير 2017، كما وصلت نسبة الفائدة المديرية إلى 7.25% ونسبة البطالة إلى 15.4% فيما سجّل الميزان التجاري عجزاً بقيمة  570 مليون دولار في الشهر الماضي.

تحكي أمل المكي تجربتها مع أزمة نقص الأدوية في تونس فتقول "في طريقي إلى البيت مررت بالصيدلية لأقتني علبة فيتامين E. أجابتني الصيدلانية أنه لم يعد متوافراً. سألتها إن كان هناك ما يعوّض النوع الذي طلبته فأخبرتني أنّ كامل مخزون الفيتامينات والمكمّلات الغذائية قد نفد لديهم منذ فترة". لم تكن هذه سوى علبة فيتامين والتي تُعتبَر مكمّلاً غذائياً يُعتَبر غير مهم مقارنة ببقية الأدوية فماذا إذا تحدّثنا عن أصحاب الأمراض المستعصية. أحد الصيدلانيين قال: "أصبح الناس يسافرون يومياً بحثاً عن الأدوية يقطعون عشرات الكيلومترات يومياً، حتى أن مرضى السكري قد  تراجعت حالتهم كثيرا".  جذور الأزمة اقتصادية بالأساس حيث تراكمت ديون الصيدلية المركزية لدى حرفائها ووصلت إلى أكثر من 800 مليون دينار ما يُعادل 300 مليون دولار ما تسبَّب في عجز كبير وقلّص مخزون الأدوية، وللتذكير فإن تونس وحسب رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك سليم سعد الله تصنع 75% من الأدوية التي تحتاجها. هذا الوضع اضطر الحكومة إلى صرف سيولة طارئة إلى الصيدلية المركزية بقيمة 190 مليون دولار وهو ما سيُسبّب ارتباكا ولو صغيراً في التوازنات المالية للدولة هذا طبعاً بالإضافة إلى الأخطاء الاتصالية التي لا يزال يقوم بها وزير الصحة عماد الحمامي التي خلقت حالة من الاحتقان والجدل.

مياه الشرب أيضاً دخلت مربّع الأزمات بعد انفجار أنبوبين كبيرين ينقلان المياه: الأول في مدينة صفاقس حيث تسبّب في انقطاع المياه لمدة أسبوع ورجوع متقطّع بعد ذلك، والثاني في الضاحية الجنوبية لتونس العاصمة وتسبّب أيضاً في انقطاع المياه لمدة يوم كامل، هذه الأحداث جعلت الجميع يتّجه إلى مشكل نقص المياه في تونس حيث تعاني المناطق الداخلية من انقطاعات متكرّرة للماء الصالح للشراب خاصة في فصل الصيف، وتصنّف تونس ضمن الدول التي تعاني فقراً في المياه، إذ سجّلت حصّة الفرد أقل من 500 متر مكعب من المياه سنوياً، مقارنة مع 700 متر مكعب كمتوسّط عالمي، كما سجّل مخزون السدود إلى حدود يوم الـ28 من شهر حزيران/يونيو الماضي، وفق ما نشره المرصد الوطني للفلاحة "حكومي" 884.457 مليون متر مكعب مقابل 1.315.690 مليون متر مكعب كمعدّل الفترة ذاتها خلال السنوات الثلاث الماضية بفارق 431.233 مليون متر مكعب. لم يكن مشكل المياه ليؤثّر بشكل كبير في ظل وضع اقتصادي مُريح لكن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تونس وعدم بروز أية مؤشّرات للإصلاح من طرف الحكومة عمّق الأزمة أكثر وجعل جميع المشاكل تطفو على السطح في وقتٍ واحد.

من جهة أخرى سجّل المخزون الوطني من العملة الصعبة أدنى مستوى له في 2018 حيث وصل يوم 3 آب/اغسطس إلى ما يعادل 70 يوم توريد ما يعادل 10742 مليون دينار وهو رقم قياسي. هذا التدحرج المتواصل يفسّره خبراء بعدم قدرة البنك المركزي على السيطرة على نزيف العملة، إضافة إلى فشل السياسات الحمائية التي قامت بها الدولة، أهمها ترشيد التوريد حتى أن بعضهم طالب بوقف التوريد نهائياً للكماليات والسماح فقط باستيراد المواد الأساسية والأدوية. كما تراجع الدينار التونسي مسجّلاً أرقاماً قياسية تاريخية، وارتفعت الأسعار بشكل كبير إلى درجة أنها أسهمت في إضعاف بعض الأعمال الحرة. أحمد 39 سنة يعمل كسائق تاكسي اضطر إلى بيع سيارته والعمل كسائق على سيارة أخرى: "لقد أضطررت لهذا القرار الصعب لارتفاع الأسعار الجنوني، أنا مُطالَب بدفع 250 دولاراً كقسط السيارة، 15 دولاراً يومياً معلوم بنزين، و القيام بإصلاحات شهرية للسيارة تصل إلى 70 دولاراً إضافة إلى تأمين عن كل المخاطر بقيمة 960 دولاراً سنوياً هذا من دون الحديث عن الضرائب، و أنا لا تتجاوز مداخيلي اليومية 60 دولاراً". كما أدّى الترفيع في سعر الفائدة المديرية والتي وصلت إلى مستوى تاريخي في حدود 7.25 إلى الضغط على القدرة الشرائية للمواطن حيث ارتفعت قيمة أقساط البنوك في قروض المواطنين بنسبة 22.22% مقارنة بسنة 2016، مثلاً كان البنك يقتطع 270 دولاراً شهرية من راتب موظف كقسط على قرض سنة 2016 أصبح يقتطع قيمة تقريباً 350 دولاراً سنة 2018.

على مستوى اقتصاد الخدمات والإنتاج ورغم الأرقام التي تنشرها وزارة السياحة والتي تؤكّد تسجيل موسم سياحي جيّد هذا إذا ما تحدّثنا على العملة الصعبة فإن أول مصدر للعملة الصعبة في تونس وهو الفسفاط لا يزال يواجه مشاكل كبيرة بعد تحرّكات اجتماعية شهدتها ولاية قفصة عقب الإعلان عن نتائج المناظرات التي يؤكّد أغلب المحتجيّن أنه وقع التلاعُب بنتائجها. هذه الأزمة عصفت بتوقّعات قانون المالية لسنة 2018 والتي تذهب إلى إنتاج أكثر من 6.5 مليون طن، وجعلت التوقّعات الجديدة تنحصر في حدود 5 ملايين طن فقط للتذكير فإن كمية الإنتاج التي تسعى الدولة إلى بلوغها هي 7 ملايين طن وهو الإنتاج السنوي للشركة قبل الثورة. كما لا تزال أزمة القطاع متواصلة منذ سنة 2011، في ظل غياب إرادة سياسية جدية لحلها، وغياب استراتيجية واضحة للتعامل مع الأزمة ما يجعل باب الاحتمالات مفتوحاً في تجدّد الاحتجاجات وإمكانية عودة الدولة إلى مراجعة توقّعاتها مرة أخرى.

أزمات اجتماعية متواصلة جرّاء تراجع كبير في القطاعات الاقتصادية والفساد المستشري في أغلب مفاصل الدولة رغم أطنان القوانين التي صادقت عليها تونس لمقاومة الفساد، لكن المثير أن هذه الأزمات لا تجد مكانها لا في القصبة "مقر رئاسة الحكومة"، ولا في قرطاج "مقر رئاسة الجمهورية"، بل إن الجميع يسعى إلى  الفوز بمعركة 2019 الانتخابية قبل أوانها. دقّت طبول الحرب بين القصرين وأصبحت الحرب حرب تعيينات. فبعد أن عيَّن رئيس الجمهورية رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد مستشاراً "بعد أن اتّهموه بالفشل سابقاً"، عيَّن رئيس الحكومة كمال الحاج ساسي الذي كان مشرفاً على صندوق 26 26 وحكم عليه بست سنوات مع النفاذ العاجل في آذار/مارس 2017 على خلفيّة عمله في عهد المخلوع بن علي ككاتب دولة مكلّف بالشباب. فيما تقول مصادر أخرى أن السبسي سيسعى في الأيام القليلة القادمة إلى تعيين لطفي براهم وزير الداخلية الذي أقاله يوسف الشاهد. تحتدم الحرب بين الرجلين ليبقى مصير الدولة معلّقاً و يبقى المواطن التونسي وحيداً في مواجهة أزمته الاجتماعية والاقتصادية.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً